الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مايو 13، 2026

حُقوقُ الإنسانِ في أسبوعٍ عالم بالخوفِ وتضييقِ الحُرّيات


 شهدت الأيام الماضية تصاعداً لافتاً في التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية والحقوقية التي دقّت ناقوس الخطر بشأن تراجع أوضاع حقوق الإنسان في مناطق متعددة من العالم، خصوصاً في شمال إفريقيا والشرق الأوسط وبعض الدول الإفريقية والأوروبية. وبين بيانات الإدانة والتحذيرات الأممية والتقارير الميدانية، بدا واضحاً أن سنة 2026 تواصل تكريس مناخ عالمي متوتر تُدفع فيه الحريات العامة إلى الهامش تحت ذرائع الأمن والاستقرار ومحاربة الإرهاب والهجرة غير النظامية.

فقد نشرت منظمة Amnesty International (منظمة العفو الدولية) خلال الأيام الأخيرة تقريراً شديد اللهجة حول تونس، أكدت فيه أن السلطات التونسية كثفت الضغوط على منظمات المجتمع المدني عبر قرارات التعليق القضائي والتهديد بالحل والملاحقات الإدارية والقضائية. وأشارت المنظمة إلى أن عشرات الجمعيات أصبحت مهددة بالإغلاق تحت مبررات تتعلق بالتمويل الأجنبي أو حماية الأمن القومي، في وقت تعتبر فيه المنظمات الحقوقية أن الأمر يتعلق عملياً بمحاولة لإسكات الأصوات المستقلة وتقييد الفضاء المدني. وقد ركز التقرير على ما وصفه بتصاعد سياسة “Crackdown” أي “حملة القمع” ضد النشطاء والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وتزامن هذا التقرير مع بيان صادر عن Office of the High Commissioner for Human Rights (مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان)، دعا فيه المفوض السامي فولكر تورك السلطات التونسية إلى وقف الإجراءات القمعية ضد الصحافة ومنظمات المجتمع المدني. وأعرب البيان عن قلق بالغ من اتساع دائرة التضييق على حرية التعبير “Freedom of Expression” أي “حرية التعبير”، وحرية التنظيم “Freedom of Association” أي “حرية تأسيس الجمعيات والتنظيمات”.

وقد استندت هذه التحذيرات إلى وقائع ملموسة شهدها الأسبوع الماضي، من بينها تعليق أنشطة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهي واحدة من أقدم المنظمات الحقوقية في العالم العربي وإفريقيا، إضافة إلى ملاحقة الصحفي زياد الهاني بعد انتقاده للقضاء. وقد اعتبرت عدة منظمات أن هذه الإجراءات تكرس مناخاً من الخوف الذاتي “Self-Censorship” أي “الرقابة الذاتية”، حيث أصبح كثير من الصحفيين والنشطاء يتجنبون التعبير الحر خوفاً من المتابعة القضائية أو السجن.

وفي الجزائر، واصلت المنظمات الحقوقية الدولية التحذير من تدهور أوضاع الحريات العامة، خصوصاً ما يتعلق بحرية الرأي والتعبير. فقد دعت منظمة Human Rights Watch (هيومن رايتس ووتش أو المرصد الدولي لحقوق الإنسان) السلطات الجزائرية إلى وقف التضييق على المعارضين والنشطاء، مشيرة إلى استمرار استعمال تهم فضفاضة مثل “المساس بالوحدة الوطنية” و“نشر أخبار كاذبة” لملاحقة الصحفيين والمدونين.

كما سلطت المنظمة الضوء على قضية الشاعر والناشط محمد تاجديت، المعروف إعلامياً بـ“شاعر الحراك”، والذي يواجه تهماً خطيرة بسبب منشوراته ومواقفه السياسية السلمية. واعتبرت منظمة العفو الدولية أن هذه القضية تمثل مثالاً صارخاً على استخدام العدالة الجنائية لإسكات الأصوات المعارضة. ووصفت ذلك بأنه شكل من أشكال “Arbitrary Detention” أي “الاعتقال التعسفي”، حيث يتم احتجاز الأشخاص بسبب آرائهم السياسية أو نشاطهم المدني.

ومن جهة أخرى، أثارت عدة تقارير حقوقية ملف المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء في الجزائر وتونس، حيث تحدثت منظمات مثل International Federation for Human Rights (الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان) وOpen Democracy (الديمقراطية المفتوحة) عن عمليات طرد جماعي للمهاجرين نحو المناطق الحدودية في ظروف قاسية تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية. وأشارت هذه التقارير إلى وجود حالات “Collective Expulsions” أي “الترحيل الجماعي”، وهي ممارسات تتعارض مع القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الخاصة بحماية اللاجئين.

أما في إفريقيا جنوب الصحراء، فقد تصاعدت خلال الأسبوع الماضي التحذيرات من تفاقم الانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة. فقد أكدت International Committee of the Red Cross (اللجنة الدولية للصليب الأحمر) أن المدنيين في السودان والكونغو الديمقراطية يدفعون ثمناً باهظاً بسبب استمرار العمليات العسكرية واستعمال الطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة داخل المناطق السكنية.

وفي السودان تحديداً، حذرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين جراء الهجمات بالطائرات بدون طيار “Drone Attacks” أي “الهجمات بالطائرات المسيّرة”، خاصة في مناطق كردفان ودارفور. وأشارت التقارير إلى سقوط عشرات القتلى المدنيين، بينهم أطفال ونساء، في ظل تدهور الوضع الإنساني وانهيار الخدمات الصحية.

كما تحدثت منظمة Save the Children (أنقذوا الأطفال) عن تزايد أعداد الأطفال الذين يعيشون أوضاعاً كارثية بسبب الحرب والجوع والنزوح. وأكدت أن آلاف الأطفال أصبحوا معرضين لخطر “Malnutrition” أي “سوء التغذية”، إضافة إلى خطر التجنيد القسري والعنف الجنسي وفقدان التعليم.

وفي الكونغو الديمقراطية، وثقت منظمات مثل Defence for Children International (الدفاع عن الأطفال دولياً) انتهاكات خطيرة ضد الأطفال في مناطق النزاع، بما في ذلك عمليات الاختطاف والتجنيد القسري والاستغلال الجنسي. وأشارت المنظمة إلى أن الجماعات المسلحة تواصل استخدام الأطفال كجنود أو ناقلين للأسلحة في انتهاك صارخ للمواثيق الدولية.

وفي الملف المتعلق بحقوق النساء، دقت UN Women (هيئة الأمم المتحدة للمرأة) ناقوس الخطر بشأن تصاعد العنف ضد النساء في مناطق النزاعات والأزمات الاقتصادية. وأكدت الهيئة أن النساء في السودان وغزة وأفغانستان يتحملن العبء الأكبر للحروب والانهيارات الاقتصادية، حيث تتزايد معدلات العنف الأسري والزواج القسري والحرمان من التعليم والعمل.

كما نبه Global Fund for Women (الصندوق العالمي للنساء) إلى تنامي الهجمات الرقمية ضد الناشطات والمدافعات عن حقوق المرأة، خاصة عبر حملات التشهير والتحريض الإلكتروني. واعتبرت المنظمة أن العنف الرقمي أصبح امتداداً للقمع السياسي التقليدي.

أما منظمة Equality Now (المساواة الآن)، فقد ركزت في بياناتها الأخيرة على ضرورة تعديل القوانين التي تسمح بالإفلات من العقاب في قضايا العنف الجنسي والتمييز ضد النساء، خصوصاً في بعض الدول الإفريقية والعربية.

وفي أوروبا، عاد ملف الهجرة ليطرح أسئلة أخلاقية وحقوقية معقدة. فقد تحدثت عدة تقارير صادرة عن Freedom House (بيت الحرية) ومنصات حقوقية أوروبية عن مخاوف متزايدة من السياسات الجديدة المتعلقة بترحيل طالبي اللجوء نحو دول ثالثة خارج الاتحاد الأوروبي.

وقد أثارت مناقشات بروكسيل الأخيرة حول إمكانية إنشاء مراكز استقبال وترحيل خارج أوروبا انتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان، التي اعتبرت أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى انتهاك مبدأ “Non-Refoulement” أي “عدم الإعادة القسرية”، وهو مبدأ أساسي في القانون الدولي يمنع إعادة اللاجئين إلى أماكن قد يتعرضون فيها للخطر أو الاضطهاد.

وفي هذا السياق، حذرت International Service for Human Rights (الخدمة الدولية لحقوق الإنسان) من تنامي الخطابات الشعبوية التي تربط الهجرة بالإرهاب والجريمة، معتبرة أن ذلك يغذي الكراهية والعنصرية ويبرر سياسات متشددة ضد المهاجرين.

كما عبرت منظمة Front Line Defenders (المدافعون في الخط الأمامي) عن قلقها من تزايد استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان في عدة دول، سواء عبر الاعتقال أو المراقبة الإلكترونية أو حملات التشويه الإعلامي.

وفي ما يتعلق بحقوق الأطفال، أكدت UNICEF (منظمة الأمم المتحدة للطفولة – اليونيسف) أن ملايين الأطفال حول العالم ما زالوا يعيشون تحت تهديد النزاعات المسلحة والفقر والتغيرات المناخية. وأشارت المنظمة إلى أن الأطفال هم الفئة الأكثر هشاشة في الأزمات الإنسانية، حيث يتعرضون لفقدان التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية.

أما Arab Organization for Human Rights (المنظمة العربية لحقوق الإنسان) وArab Network for Human Rights Information (الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان)، فقد واصلتا التنديد بتراجع أوضاع حرية الصحافة والرأي في عدد من الدول العربية، محذرتين من اتساع رقعة القوانين التي تُستخدم لتجريم التعبير الرقمي وفرض الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتكشف حصيلة الأسبوع الماضي أن العالم يعيش بالفعل مرحلة دقيقة تتراجع فيها القيم الحقوقية أمام صعود منطق الأمن والخوف والانغلاق القومي. فالكثير من الحكومات أصبحت ترى في الصحفي أو الناشط أو المدافع الحقوقي خصماً أمنياً بدل اعتباره جزءاً من المجتمع الديمقراطي.

ومع ذلك، فإن استمرار هذه المنظمات الدولية في توثيق الانتهاكات وإصدار التقارير والبيانات يظل أمراً أساسياً للحفاظ على ذاكرة الضحايا ومنع الإفلات من العقاب. فحقوق الإنسان ليست مجرد شعارات أخلاقية، بل هي معركة يومية ضد النسيان والتطبيع مع القمع.

ومن خلال متابعة أخبار الأسبوع الماضي، يبدو واضحاً أن الصراع الحقيقي في العالم المعاصر لم يعد فقط حول الاقتصاد أو الجغرافيا السياسية، بل أصبح أيضاً صراعاً حول الحق في الكلام، والحق في الاختلاف، والحق في الكرامة الإنسانية نفسها.


0 التعليقات: