الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، مايو 21، 2026

مِنْ حارات مَكْنَاسَ إِلَى قارة الْأَدَبِ الرَّقْمِيِّ: حوار مع الكاتب المغربي عَبْدُه حَقِّي: سليم المكاوي


قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ الْحِوَارُ مَعَ الْكَاتِبِ الْمَغْرِبِيِّ عبده  حَقِّي، كَانَ وَاضِحًا أَنَّ الدُّخُولَ إِلَى عَالَمِهِ لَيْسَ أَمْرًا سَهْلًا. فَالرَّجُلُ الَّذِي قَضَى سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّأَمُّلِ فِي التَّحَوُّلَاتِ الثَّقَافِيَّةِ وَالتِّكْنُولُوجِيَّةِ، لَا يَتَحَدَّثُ بِاعْتِبَارِهِ مُجَرَّدَ رِوَائِيٍّ أَوْ نَاقِدٍ أَوْ بَاحِثٍ فِي الْأَدَبِ الرَّقْمِيِّ، بَلْ بِاعْتِبَارِهِ شَاهِدًا عَلَى تَحَوُّلَاتٍ عَمِيقَةٍ عَاشَهَا الْمَغْرِبُ وَالْعَالَمُ الْعَرَبِيُّ مُنْذُ عُقُودٍ.

فِي هَذَا اللِّقَاءِ الِافْتِرَاضِيِّ، الَّذِي أُنْجِزَ بِرُوحِ الصَّحَافَةِ الثَّقَافِيَّةِ الْحُرَّةِ، حَاوَلْتُ الِاقْتِرَابَ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي تُؤَرِّقُ عبده  حَقِّي أَكْثَرَ مِمَّا حَاوَلْتُ جَمْعَ أَجْوِبَةٍ جَاهِزَةٍ. كَانَ الْحِوَارُ أَشْبَهَ بِرِحْلَةٍ دَاخِلَ ذَاكِرَةِ مَدِينَةٍ مَغْرِبِيَّةٍ قَدِيمَةٍ مَا تَزَالُ تُقَاوِمُ النِّسْيَانَ وَسْطَ زَحْفِ السُّرْعَةِ الرَّقْمِيَّةِ. تَحَدَّثَ الْكَاتِبُ عَنْ عَلَاقَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، وَعَنْ قَلَقِ الْإِنْسَانِ الْمُعَاصِرِ، وَعَنِ الْأَدَبِ فِي زَمَنِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، وَعَنْ خَوْفِهِ مِنْ تَحَوُّلِ الْإِنْسَانِ إِلَى مُجَرَّدِ رَقْمٍ دَاخِلَ خُوَارِزْمِيَّةٍ ضَخْمَةٍ.

مَا يَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ فِي حَدِيثِ عبده  حَقِّي أَنَّهُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْأَدَبِ وَالْحَيَاةِ، وَلَا بَيْنَ الثَّقَافَةِ وَالسِّيَاسَةِ، وَلَا بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَالْقَلَقِ الْوُجُودِيِّ. كَانَ يَتَحَدَّثُ بِبُطْءٍ، وَيَتَوَقَّفُ أَحْيَانًا، وَيَعُودُ إِلَى الْفِكْرَةِ نَفْسِهَا مِنْ زَاوِيَةٍ أُخْرَى، وَكَأَنَّهُ يُعِيدُ تَرْتِيبَ ذَاكِرَتِهِ أَمَامَ الْقَارِئِ. لِذَلِكَ بَدَا هَذَا الْحِوَارُ أَقْرَبَ إِلَى اعْتِرَافَاتٍ فِكْرِيَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنْهُ إِلَى مُقَابَلَةٍ صَحَافِيَّةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ.

فِي الْحِوَارِ التَّالِي، سَنَكْتَشِفُ صَوْتَ كَاتِبٍ مَغْرِبِيٍّ يَرَى أَنَّ الثَّقَافَةَ لَيْسَتْ تَرَفًا، بَلْ شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ مُقَاوَمَةِ النِّسْيَانِ وَالتَّسْطِيحِ وَالِاغْتِرَابِ الْحَدِيثِ.

سُؤَالٌ:

حِينَ يُذْكَرُ اسْمُ عبده  حَقِّي، يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ كَاتِبٌ مَشْغُولٌ بِالذَّاكِرَةِ وَالْمَدِينَةِ وَالتَّحَوُّلَاتِ الرَّقْمِيَّةِ. لَكِنْ مَنْ هُوَ عبده  حَقِّي كَمَا يَرَى نَفْسَهُ بَعِيدًا عَنِ التَّعْرِيفَاتِ الصَّحَافِيَّةِ الْجَاهِزَةِ؟

عبده  حَقِّي:

أَعْتَقِدُ أَنَّنِي ابْنُ مَدِينَةِ مَكْنَاسَ الْمَغْرِبِيَّةِ بِامْتِيَازٍ. الْمَدِينَةُ هِيَ الَّتِي صَنَعَتْ حَسَّاسِيَّتِي الْفِكْرِيَّةَ وَالْجَمَالِيَّةَ وَالنَّفْسِيَّةَ. لَمْ أُولَدْ دَاخِلَ فَضَاءٍ رِيفِيٍّ هَادِئٍ كَمَا يَتَصَوَّرُ الْبَعْضُ، بَلْ وُلِدْتُ دَاخِلَ عَالَمٍ حَضَرِيٍّ مَلِيءٍ بِالتَّنَاقُضَاتِ وَالتَّحَوُّلَاتِ وَالضَّجِيجِ وَالْأَسْئِلَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ الْمُبَكِّرَةِ.

الْمَدِينَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ بِنَايَاتٍ وَشَوَارِعَ، بَلْ كَانَتْ كَائِنًا ضَخْمًا يَتَنَفَّسُ وَيَتَغَيَّرُ وَيَشِيخُ وَيَغْضَبُ وَيَحْلُمُ. كُنْتُ، وَأَنَا صَغِيرٌ، أُرَاقِبُ حَرَكَةَ النَّاسِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْمَقَاهِي وَالْحَافِلَاتِ الْعُمُومِيَّةِ، وَأَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ وَجْهٍ يَحْمِلُ رِوَايَةً خَفِيَّةً. وَلَعَلَّ هَذَا مَا جَعَلَ الْكِتَابَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ مُحَاوَلَةً دَائِمَةً لِفَهْمِ الْبَشَرِ أَكْثَرَ مِنْ فَهْمِ الْأَحْدَاثِ نَفْسِهَا.

هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ مُهِمٌّ أَيْضًا... الْمَدِينَةُ الْمَغْرِبِيَّةُ بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ كَانَتْ تَعِيشُ مِخَاضًا حَقِيقِيًّا. كَانَتْ هُنَاكَ أَحْلَامٌ جَمَاعِيَّةٌ كَبِيرَةٌ، وَكَانَ هُنَاكَ أَيْضًا خَوْفٌ وَتَوَتُّرٌ وَأَسْئِلَةٌ سِيَاسِيَّةٌ عَمِيقَةٌ. عِشْتُ كُلَّ ذَلِكَ مُبَكِّرًا، وَلِهَذَا جَاءَتْ كِتَابَتِي مُشْبَعَةً دَائِمًا بِإِحْسَاسِ الْقَلَقِ وَالتَّحَوُّلِ وَعَدَمِ الْيَقِينِ.

سُؤَالٌ:

هَلْ كَانَتْ عَلَاقَتُكَ بِمَدِينَةِ مَكْنَاسَ عَلَاقَةَ انْسِجَامٍ أَمْ صِرَاعٍ؟

عبده  حَقِّي:

(يَبْتَسِمُ بِخِفَّةٍ)

الْعَلَاقَةُ بِالْمَدِينَةِ تُشْبِهُ أَحْيَانًا الْعَلَاقَةَ بِالْأُمِّ الْقَاسِيَةِ. تَمْنَحُكَ الْكَثِيرَ، لَكِنَّهَا تَتْرُكُ دَاخِلَكَ نُدُوبًا أَيْضًا.

مَدِينَةُ مَكْنَاسَ عَلَّمَتْنِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةً: عَلَّمَتْنِي الِاخْتِلَافَ، وَالتَّسَامُحَ، وَالِاحْتِكَاكَ بِالثَّقَافَاتِ وَالتَّيَّارَاتِ الْفِكْرِيَّةِ الْمُتَعَدِّدَةِ. لَكِنَّهَا عَلَّمَتْنِي أَيْضًا مَعْنَى الْوَحْدَةِ دَاخِلَ الْحُشُودِ.

أَتَذَكَّرُ، مَثَلًا، كَيْفَ كَانَتِ الْمَقَاهِي فِي السَّبْعِينِيَّاتِ وَالثَّمَانِينِيَّاتِ فَضَاءَاتٍ حَقِيقِيَّةً لِلْمَحَبَّةِ وَالتَّرْفِيهِ. كُنَّا نَقْرَأُ الصُّحُفَ خُلْسَةً، وَنَتَبَادَلُ الْكُتُبَ بِشَغَفٍ هَائِلٍ، وَنُنَاقِشُ قَضَايَا الشِّعْرِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ وَالْحَدَاثَةِ. كَانَ الْمُثَقَّفُ آنَذَاكَ يَشْعُرُ أَنَّ لَهُ دَوْرًا فِي تَغْيِيرِ الْمُجْتَمَعِ.

الْيَوْمَ تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا. الْمَدِينَةُ نَفْسُهَا فَقَدَتْ جُزْءًا مِنْ رُوحِهَا الْقَدِيمَةِ. صَارَ الْإِيقَاعُ أَسْرَعَ مَجَّانًا، وَالْعَلَاقَاتُ أَكْثَرَ هَشَاشَةً، وَالنَّاسُ أَكْثَرَ عُزْلَةً، رَغْمَ كَثَافَةِ التَّوَاصُلِ الرَّقْمِيِّ. لِهَذَا أَكْتُبُ كَثِيرًا عَنِ الْمَنْفَى الدَّاخِلِيِّ. الْإِنْسَانُ الْحَدِيثُ قَدْ يَعِيشُ وَسْطَ مَلَايِينِ الْبَشَرِ، لَكِنَّهُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ وَحِيدٌ تَمَامًا.

سُؤَالٌ:

فِي كِتَابَاتِكَ، خُصُوصًا الرِّوَائِيَّةِ وَالْقَصَصِيَّةِ، حُضُورٌ قَوِيٌّ لِلذَّاكِرَةِ. هَلْ هِيَ مُحَاوَلَةٌ لِلْحَنِينِ أَمْ لِلْمُقَاوَمَةِ؟

عبده  حَقِّي:

أَرْفُضُ أَنْ تَكُونَ الذَّاكِرَةُ مُجَرَّدَ بُكَاءٍ عَلَى الْمَاضِي. بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ، الذَّاكِرَةُ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الْمُقَاوَمَةِ ضِدَّ النِّسْيَانِ وَضِدَّ التَّشْوِيهِ أَيْضًا.

حِينَ أَكْتُبُ عَنْ مَرَاحِلَ مُعَيَّنَةٍ مِنْ تَارِيخِ الْمَغْرِبِ أَوْ عَنِ التَّحَوُّلَاتِ الثَّقَافِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ، فَأَنَا لَا أَبْحَثُ عَنِ النُّوسْتَالْجِيَا الرَّخِيصَةِ، بَلْ أُحَاوِلُ فَهْمَ كَيْفَ تَشَكَّلَ وَعْيُنَا الْجَمَاعِيُّ.

الْمُجْتَمَعَاتُ الَّتِي تَفْقِدُ ذَاكِرَتَهَا تُصْبِحُ قَابِلَةً لِإِعَادَةِ الْبَرْمَجَةِ بِسُهُولَةٍ. وَهَذَا مَا أَخْشَاهُ الْيَوْمَ. نَحْنُ نَعِيشُ عَصْرًا تَتَحَكَّمُ فِيهِ الصُّورَةُ السَّرِيعَةُ، وَالْخَبَرُ الْعَابِرُ، وَالْخُوَارِزْمِيَّةُ الذَّكِيَّةُ، بَيْنَمَا تَتَرَاجَعُ الْقِرَاءَةُ الْعَمِيقَةُ وَالتَّأَمُّلُ الْبَطِيءُ.

(يَصْمُتُ قَلِيلًا)

أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ الْمُعَاصِرَ صَارَ يَسْتَهْلِكُ الْأَحْدَاثَ دُونَ أَنْ يَعِيشَهَا فِعْلًا. كُلُّ شَيْءٍ يَمُرُّ بِسُرْعَةٍ مُخِيفَةٍ، حَتَّى الْأَحْزَانُ نَفْسُهَا أَصْبَحَتْ رَقْمِيَّةً وَعَابِرَةً.

سُؤَالٌ:

أَنْتَ مِنَ الْأَصْوَاتِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُبَكِّرَةِ الَّتِي اهْتَمَّتْ بِالْأَدَبِ الرَّقْمِيِّ. لِمَاذَا هَذَا الرِّهَانُ الْمُبَكِّرُ عَلَى التِّكْنُولُوجِيَا؟

عبده  حَقِّي:

لِأَنَّنِي أَدْرَكْتُ مُبَكِّرًا أَنَّ التِّكْنُولُوجِيَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَدَوَاتٍ تِقْنِيَّةٍ، بَلْ هِيَ قُوَّةٌ تُغَيِّرُ طَرِيقَةَ تَفْكِيرِ الْإِنْسَانِ وَإِدْرَاكِهِ لِلْعَالَمِ.

حِينَ ظَهَرَ الْإِنْتَرْنِتُ فِي الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ، فَهِمَ كَثِيرُونَ الْأَمْرَ بِاعْتِبَارِهِ وَسِيلَةَ تَوَاصُلٍ فَقَطْ، لَكِنَّنِي كُنْتُ أَرَاهُ تَحَوُّلًا حَضَارِيًّا عَمِيقًا سَيُغَيِّرُ عَلَاقَتَنَا بِاللُّغَةِ وَالزَّمَنِ وَالْمَعْرِفَةِ.

الْأَدَبُ الرَّقْمِيُّ، بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ، لَيْسَ مُجَرَّدَ نَصٍّ عَلَى شَاشَةٍ. إِنَّهُ مُحَاوَلَةٌ لِإِعَادَةِ تَعْرِيفِ فِعْلِ الْقِرَاءَةِ نَفْسِهِ. الْقَارِئُ الْيَوْمَ لَمْ يَعُدْ يَقْرَأُ بِطَرِيقَةٍ خَطِّيَّةٍ هَادِئَةٍ كَمَا كَانَ يَحْدُثُ فِي الْمَاضِي. إِنَّهُ يَقْفِزُ بَيْنَ النَّصِّ وَالصُّورَةِ وَالْفِيدْيُو وَالرَّابِطِ الْإِلِكْتُرُونِيِّ وَالْمُؤَثِّرَاتِ الْبَصَرِيَّةِ.

السُّؤَالُ الَّذِي كَانَ يَشْغَلُنِي دَائِمًا هُوَ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْأَدَبِ أَنْ يَظَلَّ حَيًّا دَاخِلَ هَذَا الْعَالَمِ الْجَدِيدِ؟

سُؤَالٌ:

لَكِنَّ هُنَاكَ مَنْ يَرَى أَنَّ التِّكْنُولُوجِيَا قَدْ قَتَلَتِ الْقِرَاءَةَ...

عبده  حَقِّي:

التِّكْنُولُوجِيَا لَمْ تَقْتُلِ الْقِرَاءَةَ، لَكِنَّهَا غَيَّرَتْ طَبِيعَتَهَا.

الْمُشْكِلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ فِي الْوَسِيطِ، بَلْ فِي نَوْعِيَّةِ الْعَلَاقَةِ الَّتِي نُقِيمُهَا مَعَ الْمَعْرِفَةِ. هُنَاكَ قَارِئٌ الْيَوْمَ يَقْرَأُ عَشَرَاتِ الصَّفَحَاتِ يَوْمِيًّا عَلَى هَاتِفِهِ، لَكِنَّهُ لَا يَتَأَمَّلُ شَيْئًا. يَمُرُّ فَوْقَ الْكَلِمَاتِ كَمَا تَمُرُّ السَّيَّارَةُ فَوْقَ الطَّرِيقِ السَّرِيعِ.

فِي الْمَاضِي كَانَ الْقَارِئُ يَعِيشُ دَاخِلَ الْكِتَابِ. الْيَوْمَ كَثِيرُونَ يَسْتَهْلِكُونَ النُّصُوصَ كَمَا يَسْتَهْلِكُونَ الْإِعْلَانَاتِ وَالصُّوَرَ السَّرِيعَةَ. وَهَذَا خَطَرٌ حَقِيقِيٌّ.

(يَتَوَقَّفُ قَلِيلًا ثُمَّ يُضِيفُ)

أَنَا لَا أُعَادِي التِّكْنُولُوجِيَا، بِالْعَكْسِ، لَكِنَّنِي أَرْفُضُ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى آلَةٍ لِابْتِلَاعِ الْإِنْسَانِ وَتَحْوِيلِهِ إِلَى كَائِنٍ سَرِيعٍ وَسَطْحِيٍّ فَاقِدٍ لِلتَّأَمُّلِ.

سُؤَالٌ:

تَتَحَدَّثُ كَثِيرًا عَنِ الْقَلَقِ الْوُجُودِيِّ لِلْإِنْسَانِ الْمُعَاصِرِ. هَلْ أَنْتَ مُتَشَائِمٌ؟

عبده  حَقِّي:

لَا أُحِبُّ كَلِمَةَ مُتَشَائِمٍ. رُبَّمَا أَنَا قَلِقٌ فَقَطْ. الْكَاتِبُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعِيشَ دَاخِلَ الطُّمَأْنِينَةِ الْكَامِلَةِ.

حِينَ أَرَى مَا يَحْدُثُ الْيَوْمَ فِي الْعَالَمِ، أَشْعُرُ أَنَّنَا نَعِيشُ مَرْحَلَةً انْتِقَالِيَّةً خَطِيرَةً جِدًّا: الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ، وَالْحُرُوبُ الرَّقْمِيَّةُ، وَالْعُزْلَةُ النَّفْسِيَّةُ، وَانْهِيَارُ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ، وَسَيْطَرَةُ الشَّرِكَاتِ الْعِمْلَاقَةِ عَلَى الْوَعْيِ الْجَمَاعِيِّ...

كُلُّ هَذَا يَجْعَلُنِي أَتَسَاءَلُ: مَاذَا سَيَبْقَى مِنَ الْإِنْسَانِ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ التَّحَوُّلَاتِ؟

(يَبْتَسِمُ قَلِيلًا)

رُبَّمَا لِهَذَا أَعُودُ دَائِمًا إِلَى الْأَدَبِ. الْأَدَبُ، بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ، مُحَاوَلَةٌ لِإِنْقَاذِ مَا يُمْكِنُ إِنْقَاذُهُ مِنْ إِنْسَانِيَّتِنَا.

سُؤَالٌ:

وَمَا الَّذِي يَمْنَحُكَ الْأَمَلَ، رَغْمَ كُلِّ هَذَا الْقَلَقِ؟

عبده  حَقِّي:

الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ.

رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، مَا يَزَالُ الْإِنْسَانُ قَادِرًا عَلَى الْحُبِّ وَالْحُلْمِ وَالْكِتَابَةِ وَالْمُقَاوَمَةِ. هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الصَّغِيرَةُ هِيَ الَّتِي تُنْقِذُ الْعَالَمَ فِي النِّهَايَةِ.

حِينَ أَقْرَأُ رِوَايَةً عَظِيمَةً أَوْ قَصِيدَةً صَادِقَةً، أَوْ أَرَى شَابًّا مَغْرِبِيًّا يَحْمِلُ كِتَابًا دَاخِلَ الْحَافِلَةِ، أَشْعُرُ أَنَّ الثَّقَافَةَ مَا تَزَالُ قَادِرَةً عَلَى الْمُقَاوَمَةِ.

سُؤَالٌ:

كَيْفَ تَرَى وَضْعَ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْيَوْمَ؟

عبده  حَقِّي:

الثَّقَافَةُ الْعَرَبِيَّةُ تَعِيشُ مُفَارَقَةً غَرِيبَةً. هُنَاكَ إِنْتَاجٌ كَبِيرٌ جِدًّا، لَكِنَّ هُنَاكَ أَيْضًا ضَجِيجًا هَائِلًا يَجْعَلُ مِنَ الصَّعْبِ أَحْيَانًا تَمْيِيزَ الْأَعْمَالِ الْعَمِيقَةِ مِنَ الْأَعْمَالِ الِاسْتِهْلَاكِيَّةِ السَّرِيعَةِ.

فِي زَمَنِ مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ أَصْبَحَ الْجَمِيعُ يَكْتُبُ وَيَنْشُرُ وَيَتَكَلَّمُ فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا. وَهَذَا أَمْرٌ إِيجَابِيٌّ مِنْ جِهَةٍ، لَكِنَّهُ خَلَقَ أَيْضًا نَوْعًا مِنَ الْفَوْضَى الثَّقَافِيَّةِ.

الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي كَثْرَةِ الْأَصْوَاتِ، بَلْ فِي اخْتِفَاءِ الزَّمَنِ الضَّرُورِيِّ لِلتَّأَمُّلِ وَالنَّقْدِ الْحَقِيقِيِّ.

سُؤَالٌ:

هَلْ تَشْعُرُ أَنَّ الْكَاتِبَ فَقَدَ مَكَانَتَهُ الْقَدِيمَةَ؟

عبده  حَقِّي:

إِلَى حَدٍّ مَا، نَعَمْ.

فِي السِّتِّينِيَّاتِ وَالسَّبْعِينِيَّاتِ كَانَ الْكَاتِبُ أَوِ الْمُفَكِّرُ شَخْصِيَّةً مَرْكَزِيَّةً دَاخِلَ الْمُجْتَمَعِ. الْيَوْمَ أَصْبَحَ الْمُؤَثِّرُ الرَّقْمِيُّ أَكْثَرَ حُضُورًا أَحْيَانًا مِنَ الرِّوَائِيِّ أَوِ الْفَيْلَسُوفِ.

لَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ الْأَدَبَ انْتَهَى. الْأَدَبُ الْحَقِيقِيُّ يَعِيشُ دَائِمًا خَارِجَ الْمَوْضَةِ وَالضَّجِيجِ. الرِّوَايَاتُ الْعَظِيمَةُ لَا تُقَاسُ بِعَدَدِ الْإِعْجَابَاتِ، بَلْ بِقُدْرَتِهَا عَلَى الْبَقَاءِ دَاخِلَ الذَّاكِرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.

سُؤَالٌ:

مَاذَا تَقُولُ لِلشَّبَابِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَكَ الْيَوْمَ؟

عبده  حَقِّي:

أَقُولُ لَهُمْ: لَا تَسْمَحُوا لِلْعَالَمِ الرَّقْمِيِّ بِأَنْ يَسْرِقَ أَرْوَاحَكُمْ بِالْكَامِلِ.

اسْتَخْدِمُوا التِّكْنُولُوجِيَا، لَكِنْ لَا تَتَحَوَّلُوا إِلَى عَبِيدٍ لَهَا. اقْرَؤُوا بِبُطْءٍ أَحْيَانًا. تَأَمَّلُوا الْحَيَاةَ خَارِجَ الشَّاشَةِ. تَعَلَّمُوا الْإِصْغَاءَ إِلَى أَنْفُسِكُمْ.

الْحُرِّيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ تَبْدَأُ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّفْكِيرِ الْمُسْتَقِلِّ، وَالْقِرَاءَةُ الْعَمِيقَةُ تُسَاعِدُ الْإِنْسَانَ عَلَى بِنَاءِ هَذِهِ الْحُرِّيَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ.

(يَصْمُتُ لِحَظَاتٍ ثُمَّ يُضِيفُ)

الْإِنْسَانُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ يَتَحَوَّلُ بِسُهُولَةٍ إِلَى كَائِنٍ قَابِلٍ لِلْقِيَادَةِ مِنَ الْخَارِجِ. أَمَّا الْقَارِئُ الْحَقِيقِيُّ فَهُوَ إِنْسَانٌ يَصْعُبُ تَدْجِينُهُ.

شكرا لكم الكاتب المغربي عبده  حقي على سعة صدركم لإنجاز هذا الحوار وإلى اللقاء في مناسبة قادمة

عبده حقي

العفو وأتمنى أن أكون قد أجبت بكل إقناع وصراحة على أسئلتكم القيمة

 

0 التعليقات: