الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، مايو 21، 2026

الأدب الرقمي العربي في تجربة عبده حقي بين الترجمة واستشراف المستقبل: رانيا الحلبي

 


في خضم التحولات الرقمية التي يشهدها العالم العربي منذ مطلع الألفية الثالثة، برز اسم الكاتب المغربي عبده حقي باعتباره واحداً من الأصوات الثقافية التي انخرطت مبكراً في مساءلة العلاقة بين الأدب والتكنولوجيا، وبين النص الورقي والفضاء التفاعلي الجديد. لقد أسهم هذا الكاتب المغربي في توسيع النقاش حول الأدب الرقمي العربي، ليس فقط من خلال الكتابة النظرية، بل أيضاً عبر الترجمة والمتابعة النقدية والتفاعل المستمر مع المستجدات العالمية في هذا المجال.

وقد تميز مشروعه الفكري بكونه مشروعاً مفتوحاً على الأسئلة أكثر من الأجوبة الجاهزة، حيث ظل يطرح باستمرار سؤالاً محورياً: هل نحن فعلاً أمام ميلاد أدب جديد، أم مجرد انتقال تقني لوسائط التعبير القديمة؟ هذا السؤال شكّل الخلفية النظرية لمعظم مقالاته وأعماله المرتبطة بالأدب الرقمي.

من بين أبرز إسهامات عبده حقي في هذا المجال، كتابه الرقمي «ما هو الأدب الرقمي؟» بجزأيه الأول والثاني، والذي حاول فيه تقديم تصور مبسط وشامل لهذا الجنس الأدبي الجديد، عبر تتبع نشأته الغربية وتحولاته التقنية والجمالية، ثم ربطه بالسياق العربي الذي لا يزال يعيش، بحسب تعبيره، «إرهاصات البدايات». وقد اعتبر في هذا المشروع أن الأدب الرقمي ليس مجرد نقل النص إلى الشاشة، بل هو إعادة تعريف للكتابة نفسها، وللعلاقة بين الكاتب والقارئ والنص.

كما لعب عبده حقي دوراً مهماً في نقل الفكر النقدي الغربي المرتبط بالأدب الإلكتروني إلى اللغة العربية من خلال الترجمات. فقد ترجم أعمالاً ودراسات لعدد من الباحثين العالميين في الأدب الرقمي مثل رين كوسكيما، وجيسيكا بريسمان، ومارجوري لويسبرينك، وإدمون كوشو وغيرهم. هذه الترجمات ساهمت في تعريف القارئ العربي بمفاهيم مثل النص التشعبي، والتفاعلية، والوسائط المتعددة، والكتابة الترابطية، والأدب الإلكتروني المقارن.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك ترجمته لمقال «الأدب الرقمي: من النص إلى النص التشعبي»، الذي تناول فيه التحولات الكبرى التي مست مفهوم القراءة والكتابة في البيئة الرقمية، موضحاً كيف تحوّل القارئ من متلق سلبي إلى مشارك في إنتاج المعنى داخل النصوص التفاعلية.

كذلك اهتم عبده حقي بالبعد النقدي والفلسفي للأدب الرقمي، ولم يتوقف عند الجوانب التقنية فقط. ففي عدد من مقالاته الحديثة، ناقش تأثير الذكاء الاصطناعي والخوارزميات على مستقبل الإبداع، متسائلاً عن مصير المؤلف التقليدي في زمن النصوص التي تنتجها الآلة أو تشارك في إنتاجها. وفي مقاله «الأدب الرقمي من شاشة القراءة إلى مختبر الوعي الجديد»، اعتبر أن الأدب الرقمي أصبح مختبراً ثقافياً يعيد طرح الأسئلة المتعلقة بالخيال والهوية والذاكرة والوعي الإنساني.

كما انفتح مشروعه على قضايا ما بعد الإنسان والسرد البيئي والواقع الافتراضي، وهي موضوعات حديثة نسبياً في الثقافة العربية. ففي مقال «العوالم الافتراضية تكتبنا كما نكتبها» ربط بين الأدب الرقمي والتجارب التفاعلية الجديدة التي تمزج بين النص والصورة والصوت والبيئات الافتراضية.

ومن الجوانب المهمة أيضاً في تجربة عبده حقي، مساهمته في بناء جسور بين الأدب الرقمي المغربي والعربي والعالمي. فقد حرص باستمرار على متابعة المؤتمرات والندوات الدولية المتعلقة بالأدب الإلكتروني، ونقل خلاصاتها إلى القارئ العربي عبر مقالات وتقارير تحليلية. وفي هذا السياق كتب عن الندوات الرقمية التي نظمها اتحاد كتاب الإنترنت العرب، واعتبرها خطوة تأسيسية لبناء فكر رقمي عربي متجذر في الثقافة العربية، بعيداً عن النقل الحرفي للنماذج الغربية.

وتبرز أهمية مساهماته أيضاً في كونه لم يكتف بالتنظير، بل مارس شكلاً من «الكتابة الرقمية المفتوحة» عبر مدونته الشخصية التي تحولت إلى أرشيف عربي غني بالنصوص والترجمات والمتابعات المتعلقة بالأدب الرقمي والذكاء الاصطناعي والثقافة الرقمية. وقد ساهم هذا الفضاء الإلكتروني في خلق نوع من التراكم المعرفي العربي في مجال لا يزال يعاني من ضعف المراجع باللغة العربية.

ويشير عدد من الباحثين والمهتمين بالأدب الرقمي إلى أن قيمة مشروع عبده حقي تكمن في كونه مشروعاً توفيقياً يجمع بين الحس الأدبي التقليدي والانفتاح على التكنولوجيا الحديثة. فهو لا يتعامل مع الرقمية بوصفها تهديداً للأدب، بل باعتبارها فرصة لإعادة ابتكار أشكال السرد والتخييل والتلقي. لذلك تبدو كتاباته أقرب إلى محاولة استشراف مستقبل الأدب العربي في عصر التحولات الرقمية الكبرى.

كما أن اهتمامه بالترجمة الرقمية منح القارئ العربي فرصة للاطلاع على مدارس ومفاهيم عالمية ظلت لسنوات حبيسة اللغات الأجنبية. ومن خلال هذا الجهد الترجماتي، ساهم في إدخال مفردات جديدة إلى القاموس النقدي العربي، مثل «الأدب الإلكتروني»، و«النص الترابطي»، و«الكتابة التفاعلية»، و«الوسائط المتعددة»، و«الذات الرقمية».

ورغم أن الأدب الرقمي العربي لا يزال يعيش مرحلة التأسيس، فإن مساهمة عبده حقي تبقى ذات أهمية خاصة لأنها جاءت في سياق عربي ظل لفترة طويلة متردداً تجاه التكنولوجيا الثقافية الجديدة. لقد حاول هذا الكاتب المغربي أن يجعل من الأدب الرقمي موضوعاً للنقاش الفكري والنقدي، لا مجرد ظاهرة تقنية عابرة، واضعاً الثقافة العربية أمام أسئلة المستقبل: ما معنى الكتابة في عصر الخوارزمية؟ وما حدود الإبداع الإنساني أمام الذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن للنص العربي أن ينجح في الفضاء التفاعلي العالمي؟

إن تجربة عبده حقي تكشف أن الأدب الرقمي العربي لم يعد مجرد احتمال نظري، بل أصبح مساراً ثقافياً حقيقياً يتشكل تدريجياً عبر جهود كتاب وباحثين ومترجمين يسعون إلى إعادة تعريف علاقة الأدب بالتكنولوجيا. وفي هذا السياق، يظل عبده حقي واحداً من الأسماء المغربية والعربية التي ساهمت في إبقاء هذا السؤال مفتوحاً وحياً داخل الثقافة العربية المعاصرة.


0 التعليقات: