بَلُوفِدْ ــــ المَحْبُوبَةُ… رِوَايَةُ الْعُبُودِيَّةِ الَّتِي كَتَبَتْ وَجْهَ الْجُرْحِ الْإِنْسَانِيِّ
تَحِيَّةً لِمُتَابِعِي هٰذَا الْبُودْكَاسْتِ الْأَدَبِيِّ، نَفْتَحُ الْيَوْمَ صَفْحَةً مِنْ أَعْمَقِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي كَتَبَتْهَا الْإِنْسَانِيَّةُ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، رِوَايَةٌ لَا تَقْرَأُ التَّارِيخَ فَقَطْ، بَلْ تُحَوِّلُهُ إِلَى أَصْوَاتٍ تَسْكُنُ الْجَسَدَ وَالذَّاكِرَةَ وَالْكَوَابِيسَ. إِنَّهَا رِوَايَةُ Beloved، “المَحْبُوبَة”، لِلرُّوَائِيَّةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ “تُونِي مُورِيسُون”،
الْكَاتِبَةِ الَّتِي اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَجْعَلَ مِنَ اللُّغَةِ مَقْبَرَةً وَمَعْبَدًا وَمَرْآةً فِي آنٍ وَاحِدٍ. صَدَرَتِ الرِّوَايَةُ سَنَةَ 1987، وَفَازَتْ بِجَائِزَةِ “جَائِزَةِ بُولِيتْزَر لِلرِّوَايَةِ”، وَكَانَتْ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي مَهَّدَتْ لِحُصُولِ مُؤَلِّفَتِهَا عَلَى “جَائِزَةِ نُوبِل فِي الْأَدَبِ”، بَعْدَ ذٰلِكَ بِسَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ.تَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ حَوْلَ امْرَأَةٍ سَوْدَاءَ تُدْعَى “سِيثِي”، عَبْدَةٍ سَابِقَةٍ هَرَبَتْ مِنْ جَحِيمِ الْمَزَارِعِ الْأَمْرِيكِيَّةِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ. تَسْكُنُ سِيثِي فِي بَيْتٍ غَرِيبٍ رَقْمُهُ 124، بَيْتٍ يَبْدُو كَأَنَّهُ مَسْكُونٌ بِرُوحِ ابْنَتِهَا الصَّغِيرَةِ الَّتِي قَتَلَتْهَا بِيَدِهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ تُعَادَ إِلَى الْعُبُودِيَّةِ. وَفِي يَوْمٍ غَامِضٍ، تَظْهَرُ فَتَاةٌ شَابَّةٌ تُسَمِّي نَفْسَهَا “بَلُوفِدْ”، أَيْ “المَحْبُوبَة”، لِتَبْدَأَ الرِّوَايَةُ فِي تَفْكِيكِ الْحُدُودِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالشَّبَحِ، وَبَيْنَ الذَّاكِرَةِ وَالْهَلَاوِسِ، وَبَيْنَ الْأُمُومَةِ وَالْجَرِيمَةِ.
لَا تُقَدِّمُ Beloved الْعُبُودِيَّةَ كَحَدَثٍ تَارِيخِيٍّ بَعِيدٍ، بَلْ كَجُرْحٍ مُمْتَدٍّ فِي اللَّحْمِ وَالرُّوحِ. فَالْعَبْدُ الَّذِي يَنْجُو مِنَ السَّوْطِ لَا يَنْجُو بِالضَّرُورَةِ مِنْ ذَاكِرَتِهِ. وَهُنَا تَكْمُنُ عَبْقَرِيَّةُ Toni Morrison؛ إِذْ جَعَلَتِ الذَّاكِرَةَ شَخْصِيَّةً مُرْعِبَةً تُطَارِدُ الْأَبْطَالَ كَأَنَّهَا كَائِنٌ غَيْبِيٌّ لَا يُرَى.
جَاءَتِ الرِّوَايَةُ فِي سِيَاقٍ أَمْرِيكِيٍّ كَانَ يُعِيدُ النَّظَرَ فِي تَارِيخِ الْعُنْصُرِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ. فَفِي ثَمَانِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، بَدَأَتِ الْأَصْوَاتُ الْأَفْرُوأَمْرِيكِيَّةُ تُطَالِبُ بِإِعَادَةِ كِتَابَةِ التَّارِيخِ مِنْ وَجْهَةِ نَظَرِ الضَّحَايَا، لَا مِنْ وَجْهَةِ نَظَرِ الْمُنْتَصِرِينَ. وَكَانَتْ Toni Morrison وَاحِدَةً مِنْ أَقْوَى هٰذِهِ الْأَصْوَاتِ. فَهِيَ لَمْ تَكْتُبْ عَنِ “السُّودِ” كَفِئَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ فَقَطْ، بَلْ كَأَرْوَاحٍ مَسْلُوبَةٍ تُحَاوِلُ اسْتِعَادَةَ حَقِّهَا فِي الْحُلْمِ وَالْحُبِّ وَالذَّاكِرَةِ.
اسْتَلْهَمَتِ الرِّوَايَةُ جُزْءًا مِنْ أَحْدَاثِهَا مِنْ قِصَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لِامْرَأَةٍ تُدْعَى “مَارْغَرِيتْ غَارْنَرْ”، وَهِيَ عَبْدَةٌ هَارِبَةٌ قَتَلَتْ طِفْلَتَهَا خَوْفًا مِنْ إِعَادَتِهَا إِلَى الْعُبُودِيَّةِ. وَهٰذَا مَا أَعْطَى الرِّوَايَةَ ذٰلِكَ الْعُمْقَ الْأَخْلَاقِيَّ الْمُؤْلِمَ؛ فَالْقَارِئُ يَجِدُ نَفْسَهُ أَمَامَ سُؤَالٍ مُفْزِعٍ: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ الْقَهْرُ بِالْإِنْسَانِ إِلَى أَنْ يَرَى الْمَوْتَ أَرْحَمَ مِنَ الْحَيَاةِ؟
لِهٰذَا اعْتُبِرَتْ Beloved رِوَايَةً خَالِدَةً، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ حِكَايَةٍ عَنِ الْعُنْصُرِيَّةِ، بَلْ تَأَمُّلًا فِي طَبِيعَةِ الْأَلَمِ الْإِنْسَانِيِّ نَفْسِهِ. كُلُّ شَخْصِيَّةٍ فِي الرِّوَايَةِ تَحْمِلُ نَوْعًا مِنَ الْخَسَارَةِ: خَسَارَةَ الْجَسَدِ، أَوِ الْأُسْرَةِ، أَوِ الْهُوِيَّةِ، أَوِ اللُّغَةِ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَتِ الْكَاتِبَةُ لُغَةً شِعْرِيَّةً مُكَثَّفَةً، تَشْبِهُ أَحْيَانًا التَّرَاتِيلَ الْجَنَائِزِيَّةَ، وَأَحْيَانًا أُخْرَى تَبْدُو كَأَنَّهَا هَمْسُ أَرْوَاحٍ خَارِجَةٍ مِنَ الْقُبُورِ.
أَثَّرَتِ الرِّوَايَةُ تَأْثِيرًا هَائِلًا فِي الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، وَأَصْبَحَتْ مَرْجِعًا أَسَاسِيًّا فِي دِرَاسَاتِ مَا بَعْدَ الِاسْتِعْمَارِ، وَالْأَدَبِ النِّسْوِيِّ، وَدِرَاسَاتِ الذَّاكِرَةِ. كَمَا تُرْجِمَتْ إِلَى عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ اللُّغَاتِ، وَتَحَوَّلَتْ سَنَةَ 1998 إِلَى فِيلْمٍ سِينِمَائِيٍّ مِنْ بُطُولَةِ Oprah Winfrey، أَيْ “أُوبْرَا وِينْفْرِي”، وَإِخْرَاجِ Jonathan Demme، أَيْ “جُونَاثَان دِيمِّي”. وَرَغْمَ أَنَّ الْفِيلْمَ لَمْ يُحَقِّقْ نَجَاحًا تِجَارِيًّا كَبِيرًا، فَإِنَّهُ سَاهَمَ فِي تَوْسِيعِ حُضُورِ الرِّوَايَةِ عَالَمِيًّا.
أَمَّا فِي الْفَلْسَفَةِ، فَقَدْ أَعَادَتِ الرِّوَايَةُ طَرْحَ أَسْئِلَةِ الذَّاكِرَةِ وَالذَّنْبِ وَالْهُوِيَّةِ وَحُدُودِ الْحُرِّيَّةِ. فَالْحُرِّيَّةُ فِي هٰذَا الْعَالَمِ لَيْسَتْ قَرَارًا سِيَاسِيًّا فَقَطْ، بَلْ مَعْرَكَةٌ ضِدَّ الْمَاضِي الْمُتَرَسِّبِ دَاخِلَ النُّفُوسِ. وَقَدْ رَأَى كَثِيرٌ مِنَ النُّقَّادِ أَنَّ Toni Morrison كَتَبَتْ رِوَايَةً تَجْعَلُ مِنَ الشَّبَحِ اسْتِعَارَةً لِلتَّارِيخِ الَّذِي يَرْفُضُ أَنْ يَمُوتَ.
وَمِنْ أَشْهَرِ اقْتِبَاسَاتِ الرِّوَايَةِ قَوْلُهَا:
“Freeing yourself was one thing, claiming ownership of that freed self was another.”
أَيْ: “إِنَّ تَحْرِيرَ نَفْسِكَ شَيْءٌ، وَامْتِلَاكَ ذَاتِكَ الْمُحَرَّرَةِ شَيْءٌ آخَرُ.”
أَمَّا رَأْيِي الشَّخْصِيُّ كَكَاتِبٍ، فَإِنَّ Beloved مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي تُجْبِرُنِي عَلَى التَّوَقُّفِ طَوِيلًا أَمَامَ قُدْرَةِ الْأَدَبِ عَلَى إِنْقَاذِ الذَّاكِرَةِ مِنَ النِّسْيَانِ. لَقَدْ شَعَرْتُ وَأَنَا أَقْرَؤُهَا أَنَّ الْكَاتِبَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَكْتُبُ الْحِكَايَاتِ فَقَطْ، بَلْ يُصْغِي أَيْضًا إِلَى أَصْوَاتِ الْمَوْتَى وَالْمَهَمَّشِينَ وَالْمَسْحُوقِينَ. هُنَاكَ رِوَايَاتٌ نَقْرَؤُهَا لِلْمُتْعَةِ، وَهُنَاكَ رِوَايَاتٌ تُغَيِّرُ طَرِيقَتَنَا فِي النَّظَرِ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَهٰذِهِ الرِّوَايَةُ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي بِدُونِ شَكٍّ.
فِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ، سَنَنْتَقِلُ إِلَى رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ رَوَائِعِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، رِوَايَةٍ تَحْمِلُ أَسْئِلَةَ الْهُوِيَّةِ وَالْمَنْفَى وَالْوَعْيِ الْحَدِيثِ، وَسَنُحَاوِلُ أَنْ نَكْتَشِفَ مَعًا كَيْفَ تَسْتَطِيعُ الرِّوَايَاتُ الْعَظِيمَةُ أَنْ تُحَوِّلَ الْأَلَمَ الْإِنْسَانِيَّ إِلَى جَمَالٍ خَالِدٍ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق