الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أبريل 17، 2026

الرباط تتكلم لغة الضوء عاصمة عالمية للكتاب: عبده حقي


في الرباط، لا تُعلَّق الأوسمة على الجدران فقط، بل على ذاكرة الهواء. المدينة التي تُدعى “مدينة الأنوار” لم تنتظر هذا اللقب كي تضيء، كانت دائماً تكتب نفسها بحبر غير مرئي، على صفحات البحر، وعلى أرصفة تمشي فيها الكتب أكثر مما يمشي الناس. اختيارها عاصمة عالمية للكتاب لم يكن حدثاً عابرا ، بل كان انكشافاً، كأن ستاراً أزيح فجأة عن مدينة كانت تخفي مكتبة كاملة داخل صمتها.

الكتاب في الرباط ليس ورقاً، بل كائنا حيا. يخرج من المقاهي، يختبئ في حقائب الطلبة، يتسلل إلى جيوب الموظفين، ويجلس على المقاعد الخشبية في الحدائق، منتظراً قارئاً يشبهه. هنا، لا تقرأ الكتب فقط، بل الكتب هي التي تقرأك. كل صفحة مرآة، وكل جملة سؤال مؤجل.

وحين أعلن الوزير أن هذا الاختيار “استحقاق تاريخي”، بدا الأمر وكأن التاريخ نفسه يتنحنح، ليعترف أخيراً بأن الثقافة ليست زينة، بل هي العصب الخفي للأمم. لكن، في عمق هذا الاعتراف، ثمة شيء آخر يتحرك: سؤال خفي عن معنى أن تصبح مدينة عاصمة للكتاب في زمن يقرأ فيه الناس بأصابعهم أكثر مما يقرأون بعيونهم.

الرباط، في هذه اللحظة، تبدو ككائن مزدوج: مدينة من إسمنت وضوء، ومدينة أخرى من حبر وذاكرة. في الأولى، السيارات تمر، والضجيج يعلو. وفي الثانية، يسود صمت يشبه صلاة طويلة، حيث الكلمات تتراكم مثل غبار مقدس فوق رفوف غير مرئية.

هل يكفي هذا التتويج ليعيد الإنسان إلى الكتاب؟ أم أن الكتاب نفسه يحتاج إلى أن يعيد اختراع ذاته، ليصمد أمام زحف الشاشات؟ ربما الجواب ليس في السؤال، بل في تلك اللحظة التي يفتح فيها طفل كتاباً لأول مرة، فيشعر أن العالم أوسع من غرفته، وأعمق من صوته.

الرباط الآن ليست فقط عاصمة للكتاب، بل مختبر للمعنى. كل شارع فيها يمكن أن يتحول إلى جملة، وكل نافذة إلى استعارة، وكل مكتبة إلى قلب نابض. لكن الخطر الحقيقي ليس في أن تفقد المدينة هذا اللقب، بل في أن يتحول إلى احتفال عابر، مثل مهرجان ينتهي تاركاً وراءه فراغاً أكبر.

في الليل، حين تخفت الأضواء، يمكن للمرء أن يتخيل الكتب وهي تغادر الرفوف، تمشي في الشوارع، تتحدث مع بعضها، تشتكي من قلة القراء، أو تضحك على أولئك الذين يلتقطون صورها دون أن يفتحوا صفحاتها. في هذا المشهد السريالي، تصبح الرباط مدينة تحلم، والكتاب كائن يحلم أيضاً، وكلاهما يبحث عن قارئ يوقظهما.

0 التعليقات: