الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أبريل 17، 2026

الحداثة السائلة تعيد تعريف الهوية كرحلة بلا جذور: ترجمة عبده حقي

 


في كتابه الشهير الحداثة السائلة، لا يكتب زيغمونت باومان أطروحة سوسيولوجية فحسب، بل يفتح جرحاً فلسفياً في جسد العصر، جرحاً لا يُرى لكنه ينزف في كل تفاصيل الحياة اليومية. إن “السيولة” هنا ليست مجرد استعارة بلاغية، بل توصيف وجودي لعالم فقد صلابته القديمة، وتحوّل إلى فضاء متحوّل لا يستقر على شكل.

منذ الصفحات الأولى، يضعنا باومان أمام مفارقة كبرى: لقد خرج الإنسان من حداثة “صلبة” كانت تؤطره بمؤسسات واضحة—الدولة، الأسرة، العمل، الهوية—ليدخل حداثة “سائلة” تتبخر فيها هذه المرجعيات. لم تعد الروابط الاجتماعية ثابتة، بل أصبحت هشّة وقابلة للذوبان، ولم تعد الهوية معطى جاهزاً بل مشروعاً مفتوحاً على القلق.

بهذا المعنى، يتحول الإنسان المعاصر إلى كائن معلق بين احتمالات لا نهائية، لكنه في الوقت نفسه فاقد لأي يقين. إن الحرية التي بشّرت بها الحداثة، تتحول هنا إلى عبء ثقيل، لأن الفرد صار مسؤولاً عن تشكيل ذاته بالكامل، دون سند جماعي واضح.

في قراءة بأسلوب عبده حقي، يمكن القول إن باومان لا يكتب عن المجتمع، بل عن “تفكك المعنى”. إن السيولة ليست فقط في العلاقات أو المؤسسات، بل في اللغة نفسها، في القيم، في الزمن. كل شيء أصبح مؤقتاً، عابراً، قابلاً للاستبدال.

لقد كان الإنسان في الحداثة الصلبة يشبه شجرة: جذور عميقة، موقع ثابت، وهوية مستقرة. أما في الحداثة السائلة، فهو أقرب إلى سحابة: يتحرك باستمرار، يتغير شكله، ولا يستطيع الإمساك بذاته إلا للحظة عابرة.

وهنا تكمن قوة الكتاب: في قدرته على تحويل التحولات الاجتماعية إلى صور شعرية قاسية. فالمجتمع الاستهلاكي، في نظر باومان، لا يكتفي بإنتاج السلع، بل يعيد تشكيل الإنسان نفسه كسلعة. الانتماء لم يعد طبقياً أو ثقافياً، بل استهلاكياً؛ أنت ما تشتريه، لا ما تفكر فيه.

غير أن أخطر ما يكشفه باومان هو هذا التواطؤ الخفي بين الحرية والوحدة. فكلما ازداد الفرد “تحرراً”، ازداد عزلة. وكلما اتسعت خياراته، ضاقت قدرته على اتخاذ قرار. إن السيولة هنا ليست فقط حركة، بل أيضاً فقدان للاتجاه.

في هذا السياق، تصبح العلاقات الإنسانية نفسها مؤقتة، قابلة للقطع والاستبدال. الحب، الصداقة، العمل—كلها تدخل في منطق “التجربة المؤقتة”، حيث لا شيء يُبنى ليدوم. إننا نعيش، كما يقول باومان، في زمن “الروابط الخفيفة”، حيث يمكن الانسحاب بسهولة كما يمكن الدخول.

لكن القراءة النقدية لهذا العمل لا تكتمل دون طرح سؤال مركزي:
هل يكتفي باومان بوصف هذا العالم، أم أنه يسقط في نوع من الحنين إلى ماضٍ “صلب” لم يكن بدوره بريئاً؟

هنا يظهر التوتر الخفي في الكتاب. فمن جهة، يقدّم باومان تحليلاً عميقاً لانهيار البنى التقليدية، لكنه من جهة أخرى يترك القارئ في مواجهة هذا الانهيار دون أفق واضح للخلاص. لا يقترح بديلاً بقدر ما يكشف عن مأزق.

وهذا ما يمنح الكتاب طابعه التراجيدي: إنه نصّ يعرف أن العالم يتفكك، لكنه لا يملك وصفة لإعادة تركيبه.

في النهاية، يمكن قراءة “الحداثة السائلة” كمرآة قاسية نرى فيها صورتنا المعاصرة:
إنسان سريع، متصل، حر… لكنه قلق، هش، ومهدد بالذوبان.

إنه كتاب لا يُقرأ فقط لفهم المجتمع، بل لفهم هذا الشعور الغامض الذي يرافقنا كل يوم:
أننا نعيش في عالم يتغير أسرع من قدرتنا على الفهم، وأننا، مثل هذا العالم، أصبحنا سائلين… بلا شكل نهائي.


0 التعليقات: