الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أبريل 14، 2026

اعتقال حسن بوراس يكشف هشاشة السلطة الجزائرية: عبده حقي


في لحظة سياسية مشحونة بالرمزية، تزامنت مع زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر، اختارت السلطة الحاكمة هناك أن تبعث برسالة مختلفة تمامًا عن خطاب الانفتاح الذي تحاول تسويقه خارجيًا. لم تكن تلك الرسالة سوى اعتقال الصحفي والناشط الحقوقي حسن بوراس من داخل منزله، في مشهد يعيد إلى الواجهة ممارسات قديمة لم تغادر ذاكرة الجزائريين منذ سنوات القمع السياسي.

فقد أظهرت تفاصيل توقيف حسن بوراس، كما رواها مقربون من عائلته، أن العملية لم تكن مجرد إجراء أمني عادي، بل أقرب إلى “اختطاف سياسي” مكتمل الأركان. عناصر بلباس مدني اقتحموا المنزل، ثم عادوا لاحقًا لتفتيشه بدقة مفرطة، شملت حتى الأغراض الشخصية لأفراد العائلة. والأخطر من ذلك، أن العائلة ظلت في حالة ضياع كامل، لا تعرف مكانه ولا سبب اعتقاله، في خرق صارخ لأبسط قواعد القانون.

هذا النمط من الاعتقالات، الذي يتكرر منذ سنوات، يعكس منطقًا سلطويًا لا يعترف بالشفافية ولا بالمحاسبة، بل يعتمد على الغموض كأداة لإخضاع المجتمع. فالسلطة التي لا تشرح قراراتها، هي سلطة تخشى أن تُسأل.

منذ اندلاع الحراك الشعبي الجزائري 2019، بدا أن الجزائر على أعتاب تحول سياسي عميق. لكن سرعان ما تبيّن أن النظام أعاد ترتيب أوراقه دون أن يغير قواعد اللعبة. تم استبدال الوجوه، لكن بقيت الآليات نفسها: تضييق على الإعلام، اعتقالات انتقائية، ومحاكمات تُفصّل على مقاس الأصوات المزعجة.

في هذا السياق، لا يُعد حسن بوراس حالة معزولة، بل هو جزء من قائمة طويلة من الصحفيين والنشطاء الذين وُضعوا تحت الضغط أو خلف القضبان. جريمته، كما يصفها المقربون منه، لم تكن سوى الدفاع عن حقوق الإنسان وكشف التجاوزات.

إن السلطة الجزائرية تدرك جيدا أن المعركة الحقيقية اليوم ليست في الشارع فقط، بل في الفضاء الإعلامي. لذلك، تسعى إلى ترويض الصحافة المستقلة عبر مزيج من الترهيب والتجفيف المالي. فإغلاق المنابر، وسحب الاعتمادات، وملاحقة الصحفيين قضائيًا، كلها أدوات تهدف إلى خلق إعلام صامت، يردد الرواية الرسمية دون مساءلة.

لكن اعتقال شخصية مثل حسن بوراس، المعروفة بمواقفها الجريئة، يكشف أن النظام لم يعد يكتفي بتطويق الإعلام، بل انتقل إلى مرحلة “تجريم الكلمة” نفسها. وهنا تكمن الخطورة: حين تصبح الحقيقة تهمة، يصبح الصمت هو القاعدة.

في الوقت الذي تسعى فيه الجزائر إلى تحسين صورتها دوليًا، عبر استقبال شخصيات دينية أو المشاركة في مبادرات دبلوماسية، تأتي مثل هذه الاعتقالات لتقوض كل ذلك. فكيف يمكن لنظام يدّعي الانفتاح أن يعتقل صحفيًا دون تهمة؟ وكيف يمكنه أن يقنع العالم باحترامه لحقوق الإنسان، بينما يمارس القمع في الداخل؟

هذه المفارقة تضع السلطة في موقف حرج، خاصة في ظل تزايد اهتمام المنظمات الدولية بحرية الصحافة في المنطقة. فالعالم لم يعد يكتفي بالخطابات، بل ينظر إلى الوقائع.

ما تخشاه السلطة في الجزائر ليس شخص حسن بوراس، بل ما يمثله: صوت مستقل، ذاكرة نقدية، وإصرار على كشف الحقيقة. لذلك، فإن اعتقاله هو محاولة لإرسال رسالة ردع إلى كل من يفكر في السير على خطاه.

لكن التاريخ يُظهر أن مثل هذه الرسائل غالبًا ما تأتي بنتائج عكسية. فالقمع لا يقتل الفكرة، بل يمنحها قوة إضافية. وكلما زاد الضغط على الصحفيين، زادت قناعتهم بأن ما يقومون به ضروري.

يبقى السؤال المطروح اليوم: إلى أين تتجه الجزائر؟ هل ستستمر في هذا النهج الأمني الذي يضيق على الحريات، أم ستدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالقمع، بل بالثقة بين الدولة والمجتمع؟

إن قضية حسن بوراس ليست مجرد حادثة عابرة، بل مؤشر على أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه. فإما أن يختار الانفتاح الحقيقي، أو يواصل السير في طريق يعيد إنتاج أزمات الماضي.

في النهاية، قد تستطيع السلطة أن تعتقل صحفيًا، لكنها لن تستطيع أن تعتقل الحقيقة. فالكلمة الحرة، مهما حوصرت، تجد دائمًا طريقها إلى الضوء.

0 التعليقات: