الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أبريل 14، 2026

الجزائر تُوقظ ذاكرة الدم وتفتح أبواب الرعب : عبده حقي


لم يكن الخبر الذي تسلل على عجل من هوامش المنصات الرقمية مجرد نبأ أمني عابر، بل بدا كأنه ومضة خاطفة أعادت إلى الذاكرة الجماعية الجزائرية ظلالاً ثقيلة من زمن لم يُطوَ بعد. الحديث عن “محاولة هجوم انتحاري مزدوج في البليدة” بالتزامن مع زيارة بابوية رمزية، لم يأتِ في فراغ، بل في سياق إقليمي ودولي مشحون، وفي لحظة داخلية تتقاطع فيها الهشاشة الأمنية مع القلق السياسي الصامت.

في الظاهر، يبدو الأمر مجرد حادثة لم تتأكد كل تفاصيلها بعد. غير أن القراءة العميقة لا تقف عند حدود “التحقق من الخبر”، بل تتجاوزه إلى ما يختبئ خلفه من إشارات، وإلى ما يكشفه من تصدعات محتملة في بنية الاستقرار الجزائري.

ليست البليدة مدينة عادية في الجغرافيا الجزائرية. إنها واحدة من أكثر المدن التصاقاً بذاكرة “العشرية السوداء”، تلك الحقبة الدامية التي امتدت طوال تسعينات القرن الماضي، حين تحولت الجزائر إلى مسرح مفتوح للعنف المسلح، والانفجارات، والاغتيالات، والخوف اليومي.

في تلك السنوات، لم يكن “الانتحاري” مجرد مصطلح إخباري، بل كان شبحاً يتربص بكل شارع، وكل مؤسسة، وكل تجمع بشري. لذلك، فإن مجرد عودة هذا التعبير إلى التداول، حتى في صيغة “محاولة مُحبطَة”، يحمل في طياته دلالات أعمق من الحدث نفسه.

اللافت في هذه الواقعة ليس فقط مضمونها، بل طريقة انتشارها. فبين منصات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو على يوتيوب، تشكلت رواية شبه مكتملة عن “هجوم مزدوج تم إحباطه”، قبل أن تظهر أي رواية رسمية متماسكة.

هذا الفراغ في التواصل المؤسساتي يفتح الباب أمام سؤال جوهري:

هل أصبحت الدولة الجزائرية عاجزة عن التحكم في سرديتها الأمنية؟

في زمن الأزمات، لا تقل “الرواية” أهمية عن “الحدث”. وحين تتأخر الرواية الرسمية، تتكفل الخوارزميات بملء الفراغ، فتتحول الإشاعة إلى حقيقة مؤقتة، والحقيقة إلى احتمال مؤجل.

تزامن هذه الواقعة مع زيارة بوب ليو يضفي عليها بعداً رمزياً خطيراً. فمثل هذه الزيارات تُقرأ عادة في سياق الحوار الديني والانفتاح، لكنها في الوقت نفسه تُعد أهدافاً حساسة لأي محاولة لزعزعة الاستقرار أو إرسال رسائل سياسية وأمنية.

هل نحن أمام بداية انزلاق جديد؟

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:

هل ما حدث مجرد حادث معزول، أم مؤشر على بداية تحول أعمق؟

لا يمكن الجزم بوجود عودة وشيكة إلى سيناريو العشرية السوداء، فالسياقات تغيرت، والدولة الجزائرية راكمت خبرة أمنية معتبرة. غير أن هناك معطيات لا يمكن تجاهلها:

تصاعد الخطاب المتطرف في بعض الفضاءات الرقمية

هشاشة الوضع الإقليمي في منطقة الساحل

تراجع الثقة بين المواطن والمؤسسات

انتشار الأخبار غير الموثوقة بسرعة غير مسبوقة

هذه العوامل، مجتمعة، تشكل بيئة قابلة للاشتعال، حتى وإن لم تكن هناك شرارة واضحة بعد.

ذاكرة لم تُشفَ بعد

العشرية السوداء لم تكن مجرد مرحلة تاريخية، بل جرحاً مفتوحاً في الوعي الجزائري. جرح لم يُعالج بالكامل، بل تم تجاوزه سياسياً دون تفكيك عميق لأسبابه البنيوية.

لذلك، فإن أي إشارة – ولو كانت ضعيفة – إلى عودة العنف، كفيلة بإعادة تنشيط هذا الجرح. وهنا تكمن الخطورة: ليس في الحدث نفسه، بل في أثره النفسي والرمزي.

الإعلام الجديد… شريك في صناعة الخوف

لم تعد وسائل الإعلام التقليدية وحدها من يصوغ الوعي العام. اليوم، تلعب المنصات الرقمية دوراً حاسماً في تضخيم الأحداث، أو إعادة تأويلها، أو حتى اختراعها.

في حالة البليدة، يمكن القول إن الخبر لم ينتشر بفضل قوته، بل بفضل قابليته للانتشار:

كلمات مثل “انتحاري”، “هجوم مزدوج”، “زيارة البابا” تشكل مزيجاً مثالياً لإنتشار الخوف وجذب الانتباه.

وهنا، يتحول الإعلام – عن قصد أو غير قصد – إلى فاعل في صناعة القلق الجماعي.

لا يمكن القفز إلى استنتاجات نهائية، ولا إعلان عودة العشرية السوداء بناءً على خبر لم تتضح كل معالمه. لكن، في المقابل، لا يجوز أيضاً تجاهل الإشارات، أو التقليل من دلالاتها.

ما حدث في البليدة – سواء كان محاولة حقيقية أو مجرد تضخيم إعلامي – يكشف عن هشاشة في التوازن الأمني، وعن قابلية الواقع الجزائري لاستدعاء أشباح الماضي.

0 التعليقات: