الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أبريل 17، 2026

عبر موقع الكاتب عبده حقي الثقافة العربية تواجه السياسة بأفق رقمي: هالة الشامي

 


تكشف العناوين المنشورة حديثاً في موقع الكاتب المغربي عبده حقي عن حيوية لافتة في تداخل السياسة بالثقافة، والذاكرة بالهوية، والأدب بالتحولات الرقمية. ليست هذه العناوين مجرد إشارات خبرية عابرة، بل تشكل في مجموعها سردية ثقافية متماسكة تُقرأ كأنها نص واحد متعدد الأصوات، يلتقط نبض اللحظة الراهنة في المغرب والعالم العربي، ويربطه بامتدادات دولية أوسع.

من خلال عنوان “فرنسا تعيد بناء نفوذها في أفريقيا من خلال الصحراء المغربية”، يتجلى البعد الجيوسياسي للثقافة، حيث تتحول الكتابة إلى أداة لفهم التحولات الكبرى في موازين القوى. فالثقافة هنا ليست معزولة عن السياسة، بل تتغذى منها وتعيد إنتاجها في شكل تأملات نقدية. وفي السياق نفسه، يأتي عنوان “الرباط وواشنطن ترسمان خارطة طريق دفاعية جديدة مدتها عشر سنوات” ليؤكد أن المغرب لم يعد مجرد فضاء جغرافي، بل فاعل استراتيجي ينسج علاقاته الدولية ضمن رؤية طويلة الأمد، وهو ما ينعكس أيضاً في الخطاب الثقافي الذي يواكب هذه التحولات.

لكن اللافت في هذه العناوين هو ذلك الانتقال الذكي من السياسي إلى الثقافي الخالص، كما في “معهد العالم العربي يتحول إلى مختبر للذاكرة والهوية”، حيث تُطرح أسئلة الانتماء والتاريخ والذاكرة في سياق معاصر يعيد التفكير في الإرث العربي داخل الفضاء الأوروبي. هنا، تتحول المؤسسات الثقافية إلى فضاءات اختبار، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الماضي والحاضر، بين الشرق والغرب، وبين الذات والآخر.

وفي منحى أكثر جرأة، يطرح عنوان “تونس عندما يصبح الصوت جريمة والصمت قانوناً” إشكالية حرية التعبير في العالم العربي، من خلال لغة مكثفة تحمل شحنة رمزية عالية. إنه عنوان يختزل واقعاً معقداً، ويضع الثقافة في مواجهة مباشرة مع السلطة، حيث تصبح الكلمة فعلاً مقاومًا، ويغدو الصمت شكلاً من أشكال الامتثال القسري.

أما “الرباط تتكلم لغة الضوء عاصمة عالمية للكتاب”، فهو عنوان يحتفي بالبعد الجمالي للمدينة، ويمنحها بعداً رمزياً يتجاوز كونها عاصمة سياسية، لتصبح فضاءً للإشعاع الثقافي. الضوء هنا ليس مجرد استعارة، بل هو تعبير عن انفتاح المدينة على العالم، وعن قدرتها على استيعاب التنوع الثقافي وتحويله إلى طاقة إبداعية.

وفي سياق فكري أكثر عمقاً، يأتي عنوان “الحداثة السائلة تعيد تعريف الهوية كرحلة بلا جذور”، المستلهم من أفكار زيغمونت باومان، ليطرح سؤال الهوية في زمن السيولة. لم تعد الهوية ثابتة أو مستقرة، بل أصبحت مشروعاً مفتوحاً، يتشكل باستمرار تحت تأثير العولمة والتكنولوجيا والتحولات الاجتماعية. هذا الطرح يعكس انشغالاً فلسفياً عميقاً، يواكب التحولات التي يعيشها الإنسان المعاصر.

ولا تغيب الثورة الرقمية عن هذا المشهد، كما يتضح في عنوان “إصدارات Ebook تفتح أبواب الأدب على فضاء بلا جدران”، حيث يُحتفى بالأدب الرقمي كأفق جديد للكتابة والقراءة. هنا، تتحرر النصوص من قيود الورق، وتدخل في علاقة جديدة مع القارئ، علاقة تفاعلية تتجاوز الحدود التقليدية. ويعزز هذا التوجه عنوان “إصدارات جديدة تعيد تشكيل الوعي خارج يقيناته القديمة”، الذي يشير إلى دور الكتاب في زعزعة المسلمات وإعادة التفكير في العالم.

وفي بعد احتفالي، يأتي “بلاغ حول حفل تسليم جائزة الأركانة العالمية للشعر” ليؤكد حضور المغرب في المشهد الشعري العالمي، ويبرز أهمية الجوائز الثقافية في دعم الإبداع وتعزيز الحوار بين الثقافات. كما يشكل عنوان “إدريس الشرايبي كاتب يمشي في الزمن ويكتب ضد النسيان” استعادة لأحد أبرز رموز الأدب المغربي، حيث تتحول الكتابة إلى فعل مقاومة ضد النسيان، وإلى وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية.

ولا تخلو هذه العناوين من جرأة نقدية، كما في “محنة الكتب الممنوعة اليوم مع رواية ‘الزعيم يحلق شعره’”، الذي يسلط الضوء على إشكالية الرقابة وحدود حرية التعبير. إنه تذكير بأن الكتاب ما زال قادراً على إثارة القلق، وأن الكلمة المكتوبة لم تفقد بعد قدرتها على الإزعاج.

وأخيراً، يأتي عنوان “إشبيلية تُتوّج مركز الذاكرة المشتركة بجائزة إميليو كاستيلار لحقوق الإنسان” ليؤكد البعد الإنساني للثقافة، حيث تتقاطع الذاكرة مع حقوق الإنسان، ويصبح الاعتراف بالماضي شرطاً لبناء مستقبل أكثر عدلاً.

في المحصلة، تكشف هذه العناوين عن مشروع ثقافي متكامل، يشتغل على تخوم الأدب والسياسة والفكر، ويعيد طرح الأسئلة الكبرى بلغة تجمع بين التحليل والشعر. إنها كتابة لا تكتفي بوصف العالم، بل تسعى إلى فهمه وتغييره، وتؤكد أن الثقافة، في زمن التحولات الكبرى، تظل أحد أهم مفاتيح قراءة الواقع واستشراف المستقبل.



0 التعليقات: