الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، يناير 26، 2026

ديون السنغال بين تعثّر صندوق النقد وتحولات موازين النفوذ الدولي: ترجمة عبده حقي

 


في الظاهر، تبدو الأزمة الاقتصادية التي يواجهها السنغال تقنيةً بحتة، محصورة في أرقام الدين وعجز الميزانية وتعثر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي حول برنامج تمويلي جديد. غير أنّ التمعّن في السياق السياسي والدبلوماسي المحيط بهذه الأزمة يكشف أنّ ما يجري في داكار يتجاوز الحسابات المالية، ليعكس تحوّلاً أعمق في موازين النفوذ الدولية وفي طريقة تعاطي القوى الكبرى مع دول إفريقيا الغربية.

فمنذ أشهر، تراوح المفاوضات بين الحكومة السنغالية وصندوق النقد الدولي مكانها، وسط شروط صارمة يطرحها الصندوق تتعلق بإصلاحات بنيوية مؤلمة اجتماعياً، في وقت تعيش فيه البلاد توتراً سياسياً وانتظارات اجتماعية مرتفعة. هذا التعثر لا يضعف فقط قدرة الدولة على تعبئة الموارد المالية، بل يبعث أيضاً إشارات قلق إلى الشركاء الدوليين والمستثمرين، ويجعل السنغال أكثر هشاشة أمام تقلبات الأسواق وضغوط الدائنين.

غير أن التطور اللافت في هذا المشهد يتمثل في تغيّر موقف عدد من القوى الدولية، وعلى رأسها فرنسا. فباريس، التي طالما دافعت عن مقاربات تقشفية صارمة في التعامل مع الديون الإفريقية، باتت تميل اليوم إلى خيار إعادة هيكلة الدين السنغالي، معتبرة أن الاستمرار في الضغط المالي قد يقود إلى عدم استقرار سياسي واجتماعي واسع. هذا التحول ليس معزولاً عن السياق الإقليمي والدولي، حيث تواجه فرنسا تراجع نفوذها التقليدي في غرب إفريقيا، وتدرك أن الإصرار على سياسات غير شعبية قد يفاقم مشاعر الرفض الشعبي ويغذي الخطاب المناهض لها.

الأكثر دلالة أن باريس لم تكتفِ بتعديل موقفها داخلياً، بل نقلته إلى الصين، أحد أبرز الدائنين للسنغال ولعدد من الدول الإفريقية. وهو ما يعكس إدراكاً فرنسياً بأن أي حل واقعي لأزمة الديون في إفريقيا لم يعد ممكناً دون تنسيق مباشر مع بكين، التي أصبحت لاعباً مالياً مركزياً في القارة. بهذا المعنى، تتحول قضية الدين السنغالي إلى ساحة اختبار جديدة لإعادة ترتيب العلاقات بين القوى الكبرى داخل إفريقيا، حيث لم تعد أوروبا قادرة على فرض رؤيتها منفردة، ولا الصين راغبة في تحمل كلفة سياسية واقتصادية وحدها.

سياسياً، تجد الحكومة السنغالية نفسها في موقع معقد: فهي مطالبة بإقناع صندوق النقد الدولي بمرونة أكبر، وفي الوقت نفسه باستثمار التحول الفرنسي لفتح قنوات تفاوض أوسع مع الدائنين، خاصة الصين. لكن هذا الهامش يظل محفوفاً بالمخاطر، إذ قد يتحول إلى ضغط مزدوج إذا لم تُحسن داكار إدارة توازناتها الخارجية، أو إذا فُرضت عليها تسويات تمس بسيادتها الاقتصادية على المدى البعيد.

في المحصلة، لا تختزل أزمة السنغال الراهنة في تعثر مفاوضات مالية أو في نقاش تقني حول إعادة هيكلة الدين، بل تعكس لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع رهانات النفوذ الدولي. إنها لحظة تكشف أن مستقبل الاستقرار في دول غرب إفريقيا بات مرتبطاً بقدرتها على المناورة بين القوى الكبرى، وبمدى استعداد هذه القوى لمغادرة منطق الوصاية القديمة نحو شراكات أكثر واقعية وأقل كلفة اجتماعية.

0 التعليقات: