الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، يناير 26، 2026

المهاجر العربي في عالم متحوّل: خرائط القلق والأمل في أفق 2026: إعداد عبده حقي


 ليس المهاجر العربي رقمًا في جداول الإحصاء، ولا ملفًا عابرًا في مكاتب الهجرة. إنه حكاية ممتدة بين ضفتين: ضفةٍ تركها مثقلاً بالأسئلة، وضفةٍ وصلها محمّلاً بالانتظار. في السنوات الأخيرة، بدا العالم وكأنه يضيق بالمهاجرين، لا لأن الأرض لم تعد تتسع، بل لأن السياسات أصبحت أكثر خشونة، والخطاب العام أقل تعاطفًا. ومع دخول عام 2026، تتضح ملامح مرحلة جديدة: قوانين أشد، اختبارات أقسى، ومسارات أقل يقينًا. لكن وسط هذا المشهد القاتم، تظل هناك نوافذ أمل، وفرص ذكية لمن يعرف كيف يقرأ الخريطة جيدًا.

هذا المقال يحاول، بنَفَس مغاربي تحليلي، أن يرسم صورة مركّبة لوضع المهاجر العربي في أهم بلدان الاستقبال، وأن يستشرف سيناريوهات 2026 بين الانكماش والانفتاح، بين الخوف وإمكانيات النجاة.

الولايات المتحدة: الهجرة تحت عين القانون

في الولايات المتحدة، عاد ملف الهجرة إلى واجهة الصراع السياسي. تشديد الرقابة، تسريع الترحيل، وتوسيع صلاحيات أجهزة الأمن أصبحت عناوين المرحلة. المهاجر العربي، سواء كان طالبًا أو لاجئًا أو مقيمًا بصفة مؤقتة، يشعر بثقل هذا المناخ. فحتى من يقيم بشكل قانوني صار أكثر حذرًا في تنقله وخياراته، خوفًا من تعقيدات إدارية أو تغييرات مفاجئة في البرامج.

غير أن المشهد الأمريكي ليس أحادي اللون. القضاء الفيدرالي ما زال يلعب دور “صمام الأمان”، إذ أوقف أو جمّد قرارات تمس أوضاع آلاف المهاجرين. هذا التوازن بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية يمنح المهاجر العربي هامشًا من الأمل، لكنه أمل مشروط بالمعرفة القانونية والمتابعة الدقيقة للملفات.

المملكة المتحدة: جزيرة القوانين الصارمة

بريطانيا، التي كانت يومًا حلمًا لكثير من العرب، تتجه بثبات نحو سياسة هجرة أكثر تشددًا. التركيز الأكبر ينصب على الهجرة غير النظامية، خصوصًا عبر القنال الإنجليزي، لكن انعكاسات هذا التشدد تطال الجميع. إجراءات اللجوء باتت أطول، ولمّ الشمل العائلي أصبح أكثر تعقيدًا، بينما يخضع سوق العمل لرقابة مشددة.

بالنسبة للمهاجر العربي، تعني هذه المرحلة ضرورة إعادة الحسابات: اللغة، المؤهلات، والاستقرار القانوني لم تعد تفاصيل ثانوية، بل شروط بقاء. ومع ذلك، لا تزال بريطانيا بحاجة إلى كفاءات في قطاعات محددة، ما يفتح نافذة ضيقة لكنها حقيقية لمن يملك المهارة والقدرة على الصبر.

ألمانيا: بين الحاجة الاقتصادية والصرامة الإدارية

ألمانيا تمثل مفارقة واضحة. من جهة، تحتاج إلى اليد العاملة لتعويض شيخوخة السكان، ومن جهة أخرى، تشدد على ضبط الهجرة غير النظامية. النتيجة هي سياسة “الباب المراقَب”: مرحب بالكفاءات، متحفظ على غير ذلك.

المهاجر العربي في ألمانيا يواجه اختبار الاندماج الحقيقي: اللغة، التدريب، واحترام القواعد. من ينجح في هذا الاختبار يجد استقرارًا نسبيًا وفرصًا مهنية محترمة، أما من يتعثر في البيروقراطية أو يتأخر في الاندماج، فقد يجد نفسه في منطقة رمادية، لا هو مرفوض تمامًا ولا مستقر كليًا.

إسبانيا: الاعتدال الحذر

على عكس بعض جيرانها الأوروبيين، تحاول إسبانيا الحفاظ على خطاب أكثر توازنًا. فهي تعترف بأن الهجرة، إذا نُظّمت جيدًا، يمكن أن تكون رافعة اقتصادية. ومع ذلك، لا تتردد في تشديد الرقابة على طرق العبور البحرية، خاصة القادمة من شمال إفريقيا.

بالنسبة للمغاربة وبقية العرب، تظل إسبانيا فضاءً أقل عدائية، لكن ليس بلا تحديات. العمل الموسمي، والإقامات المؤقتة، ومسارات التسوية القانونية تظل ممكنة، شرط الصبر واحترام المساطر. إسبانيا ليست جنة، لكنها ليست جدارًا مغلقًا أيضًا.

إيطاليا: المتوسط المشتعل

إيطاليا تقف في قلب العاصفة المتوسطية. القوارب لا تتوقف، والضغط السياسي الداخلي يدفع نحو حلول خارجية، مثل مراكز المعالجة خارج الأراضي الإيطالية. في هذا السياق، يجد المهاجر العربي نفسه غالبًا في مسار طويل من الانتظار داخل مراكز الاستقبال.

حتى من يستقر قانونيًا يشعر بثقل الخطاب العام المتشدد. ومع ذلك، تبقى إيطاليا بلد فرص في قطاعات الفلاحة والخدمات، لكن بثمن اجتماعي ونفسي مرتفع. الهجرة هنا ليست مشروع حياة مريح، بل معركة استقرار يومية.

فرنسا: الاندماج كشرط وجود

فرنسا دخلت مرحلة جديدة عنوانها “الاندماج المشروط”. اختبارات اللغة والمعرفة المدنية أصبحت بوابة أساسية للإقامة الطويلة والجنسية. بالنسبة للمهاجر العربي، خاصة القادم من المغرب الكبير، لا يعني هذا الإقصاء بقدر ما يعني رفع السقف.

من يتقن اللغة ويشارك في الحياة الاقتصادية يجد طريقه مفتوحًا نسبيًا، أما من يتأخر في الاندماج فيواجه عراقيل حقيقية. فرنسا لا تطرد بالجملة، لكنها تطالب بثمن واضح للبقاء.

روسيا: الهجرة تحت منطق الأمن

روسيا ليست الوجهة الأولى في مخيلة المهاجر العربي، لكنها تستقبل أعدادًا من الطلبة والعمال. سياستها الهجرية تقوم على الصرامة الإدارية والاعتبارات الأمنية. أي خلل في الوثائق قد يتحول إلى مشكلة كبيرة.

بالنسبة للعرب، خاصة الطلبة، يعني ذلك ضرورة الالتزام الصارم بالقوانين، لأن هامش التسامح محدود. روسيا ليست بلد الفرص الواسعة، لكنها قد تكون محطة تعليمية أو مهنية لمن يعرف حدودها.

البرازيل: الأفق البعيد

في الضفة الأخرى من الأطلسي، تقدم البرازيل نموذجًا مختلفًا. سياساتها أقل توترًا، وخطابها أكثر إنسانية، خاصة تجاه القادمين من مناطق النزاع. غير أن التحدي الحقيقي هنا اقتصادي وثقافي: اللغة، وسوق العمل، والتكيف الاجتماعي.

المهاجر العربي في البرازيل قد لا يواجه تضييقًا قانونيًا كبيرًا، لكنه يواجه تحدي بناء حياة من الصفر في فضاء بعيد ثقافيًا وجغرافيًا.

كندا: الحلم المنظّم

كندا تظل الوجهة الأكثر استقرارًا في المخيال العربي. سياستها تقوم على الانتقاء: مهارات، لغة، وقدرة على الاندماج. في 2026، تتجه كندا إلى تقليص الهجرة المؤقتة، مقابل تعزيز المسارات الدائمة المدروسة.

للعرب، خاصة المتقنين للفرنسية أو الإنجليزية، تبقى كندا فرصة حقيقية، لكنها ليست سهلة. المنافسة قوية، والملفات تُفحص بدقة، غير أن من يعبر هذا المسار غالبًا ما يجد استقرارًا طويل الأمد.

خاتمة: سيناريوهات 2026 للمهاجر العربي

مع دخول 2026، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة للمهاجر العربي:

السيناريو الأول: الانكماش
تواصل الدول الكبرى تشديد سياساتها، ويصبح الوصول أصعب، والاستقرار أطول وأعقد. في هذا السيناريو، يدفع المهاجر العربي ثمنًا نفسيًا واقتصاديًا أكبر، ويضطر إلى البحث عن مسارات بديلة أو دول أقل تقليدية.

السيناريو الثاني: الانتقاء الذكي
تغلق الأبواب أمام الهجرة العشوائية، لكنها تفتح، بحساب دقيق، أمام الكفاءات والاندماج الحقيقي. هنا، ينجح من يستثمر في اللغة، المهارة، والمعرفة القانونية.

السيناريو الثالث: التوازن الإنساني
تحت ضغط الواقع الديمغرافي والاقتصادي، تعيد بعض الدول النظر في تشددها، فتظهر سياسات أكثر توازنًا بين الأمن والإنسان. هذا السيناريو أقل يقينًا، لكنه يظل ممكنًا.

في جميع الأحوال، لم تعد الهجرة قرارًا عاطفيًا أو مغامرة عمياء. إنها مشروع حياة يحتاج إلى تخطيط، ووعي، وصبر. والمهاجر العربي، بين الخوف والأمل، يظل شاهدًا على عالم يعيد تعريف حدوده، ومعنى الانتماء فيه.


0 التعليقات: