الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مارس 15، 2026

عِنْدَ مَفْتَرَقِ الثقافة والفُنُونِ العَرَبِيَّةِ فِي معهد العالم العربي في بَارِيس

 


في قلب الحيّ اللاتيني بباريس، يواصل معهد العالم العربي رسم خريطة ثقافية نابضة تعكس تنوّع الإبداع العربي المعاصر وامتداداته التاريخية. وخلال الأسبوع الممتد من الأحد الماضي إلى اليوم، بدا برنامج المعهد مثل فسيفساء فنية تتجاور فيها الندوات الفكرية مع العروض الشعرية والموسيقية والأنشطة التعليمية، في مشهد يؤكد أن الثقافة العربية ما تزال قادرة على خلق حوار حيّ مع العالم. ويُذكر أن المعهد ينظم سنوياً ما يقارب 1500 نشاط ثقافي وفني تتوزع بين معارض وندوات وعروض فنية ولقاءات فكرية.

هذا الأسبوع، بدت أجندة المعهد أقرب إلى مختبر حيّ للأفكار والإبداع، حيث تلاقت الفلسفة والأدب والموسيقى والبحث التاريخي في سلسلة من الفعاليات التي تحاول إعادة قراءة التراث العربي في ضوء الأسئلة المعاصرة.

تقديم الكتاب: “L'Islam du cœur” لعبدنور بيدار

من أبرز الأنشطة الثقافية خلال الأسبوع لقاء فكري احتضنه المعهد حول كتاب “إسلام القلب” للفيلسوف الفرنسي الجزائري عبدالنور بيدار. هذا اللقاء لم يكن مجرد تقديم لكتاب جديد، بل تحوّل إلى نقاش فكري واسع حول مفهوم الروحانية في الإسلام المعاصر، وعلاقة الدين بالقيم الإنسانية الكونية.

ركز النقاش على فكرة أن الإسلام الروحي، كما يقدمه بيدار، يمكن أن يشكّل جسراً بين الثقافات بدل أن يكون موضوعاً للصراع أو سوء الفهم. وقد جاء هذا اللقاء في سياق أوروبي حساس يتزايد فيه الجدل حول الهوية الدينية والثقافية، ما جعل النقاش يتجاوز حدود الكتاب ليطرح أسئلة أعمق حول مستقبل الفكر الإسلامي في الغرب.

عرض أدبي مسرحي: “Gibran Gibran” ضمن ربيع الشعر

في الرابع عشر من مارس شهد المعهد عرضاً فنياً مميزاً بعنوان “Gibran Gibran”، وهو عمل مسرحي شعري مستوحى من نصوص الكاتب اللبناني جبران خليل جبران. وقد قُدّم العرض ضمن فعاليات “Printemps des poètes 2026”، حيث يختار الجمهور نصوص جبران عشوائياً لتتحول إلى مشاهد مسرحية حيّة على الخشبة.

هذا العرض يعكس محاولة فنية لإعادة اكتشاف جبران ليس فقط بوصفه شاعر المهجر، بل ككاتب عالمي يلامس قضايا الإنسان والحرية والروح. ومن خلال المزج بين الأداء المسرحي والقراءة الشعرية، تحوّل العمل إلى تجربة جمالية تستحضر صوت جبران في زمن تتعطش فيه الإنسانية إلى خطاب روحي يتجاوز الحدود القومية.

تقديم الكتاب: “Le romantisme français et la renaissance arabe”

ضمن برنامج اللقاءات الفكرية، احتضن المعهد أيضاً جلسة لتقديم كتاب الباحثة منال بلحاج علي بعنوان “الرومانسية الفرنسية والنهضة العربية”. هذا اللقاء سلط الضوء على العلاقة المعقدة بين الفكر الأوروبي وحركات النهضة الفكرية في العالم العربي خلال القرن التاسع عشر.

وقد أظهرت المناقشة أن النهضة العربية لم تكن مجرد استيراد للأفكار الأوروبية، بل كانت عملية تفاعل ثقافي عميق أعاد فيها المثقفون العرب صياغة مفاهيم الحداثة والحرية والأدب بما يتناسب مع سياقهم الحضاري. وهنا يتجلى دور المعهد كمكان للحوار الفكري الذي يعيد قراءة التاريخ الثقافي المشترك بين الشرق والغرب.

L'Heure du conte | الآخر… نحن… والآخرون

من بين الأنشطة ذات البعد التربوي والثقافي، نظم المعهد أيضاً جلسة “ساعة الحكاية” الموجهة للمجموعات المدرسية تحت عنوان “الآخر… نحن… والآخرون”. وقد جاءت هذه الفعالية ضمن أسبوع التوعية ضد العنصرية ومعاداة السامية.

تعتمد هذه الجلسة على السرد القصصي كأداة تربوية لتعريف الأطفال بتنوع الثقافات وقيم التعايش. واللافت أن المعهد لا يكتفي بعرض الثقافة العربية في إطار فولكلوري، بل يسعى إلى توظيفها في نقاشات إنسانية معاصرة مثل التعددية الثقافية ومواجهة العنصرية.

الموسيقى والرحلات الثقافية: Les Escales musicales

كما تضمنت أجندة الأسبوع التحضير لسلسلة “Les Escales musicales”، وهي حفلات موسيقية تقام داخل فضاءات المتحف، حيث يتقاطع التراث الموسيقي العربي مع موسيقى العالم.

هذه السلسلة تعكس توجهاً ثقافياً واضحاً لدى المعهد يتمثل في إعادة تقديم الموسيقى العربية خارج القوالب التقليدية، عبر مزجها بتجارب موسيقية معاصرة، وهو ما يخلق نوعاً من “السفر الموسيقي” الذي يربط بين الذاكرة والحداثة.

معارض مستمرة: تصوير التراث اللبناني

إلى جانب الأنشطة الأسبوعية، يواصل المعهد عرض عدد من المعارض الكبرى، من أبرزها معرض “Photographier le patrimoine du Liban, 1864-1970” الذي يقدم صوراً تاريخية نادرة توثق التراث المعماري اللبناني منذ القرن التاسع عشر.

هذا المعرض يفتح نافذة على تاريخ التصوير في الشرق الأوسط، ويكشف كيف تحولت الكاميرا منذ القرن التاسع عشر إلى أداة لحفظ الذاكرة الثقافية في المنطقة، خصوصاً في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها لبنان خلال القرن العشرين.

الثقافة العربية كجسر حضاري

إذا تأملنا حصيلة هذا الأسبوع في معهد العالم العربي، سنلاحظ أن الأنشطة لم تكن مجرد برنامج ثقافي عابر، بل محاولة واعية لبناء سردية ثقافية جديدة للعالم العربي في أوروبا. فالمعهد لا يكتفي بعرض الفنون العربية، بل يسعى إلى وضعها في سياق عالمي يربط بين الماضي والحاضر، وبين الفكر والإبداع.

من الشعر إلى الفلسفة، ومن الموسيقى إلى التربية الثقافية، تبدو أجندة المعهد وكأنها مرآة تعكس حيوية الثقافة العربية وقدرتها على التجدد. وربما تكمن قيمة هذه الأنشطة في أنها تمنح الجمهور الأوروبي فرصة لاكتشاف العالم العربي بعيداً عن الصور النمطية، عبر لغة الفن والفكر التي تتجاوز الحدود السياسية.

وفي نهاية هذا الأسبوع الثقافي، يتأكد مرة أخرى أن الثقافة ليست مجرد ترف جمالي، بل هي أيضاً مساحة للحوار الحضاري، حيث تلتقي أصوات الشعراء والفلاسفة والموسيقيين لتعيد طرح السؤال القديم الجديد: ما الذي يمكن للفن أن يقوله عن الإنسان في زمن مضطرب؟

وهذا بالضبط ما يحاول معهد العالم العربي الإجابة عنه، أسبوعاً بعد أسبوع، في قلب باريس.


0 التعليقات: