الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، مارس 12، 2026

متاهات لقلق فوق طرق العبور: إعداد عبده حقي


شرع بدا ملف المهاجرين المغاربة والعرب والأفارقة وكأنه مرآة مكبّرة لاضطراب العالم: في الخليج تصاعد الخوف مع الحرب وإغلاق المجالات الجوية وتعقّد مسارات الخروج، وفي الاتحاد الأوروبي تقدّمت مشاريع تشديد الإرجاع والترحيل بالتوازي مع بعض الإشارات الاجتماعية الأكثر انفتاحًا، أما في الولايات المتحدة فتزايدت التحذيرات من آثار الخطاب السياسي المتشدد على أوضاع المهاجرين والمسلمين والأفارقة والعرب. هذه التطورات لم تكن متفرقة، بل بدت كأنها فصول من قصة واحدة عنوانها: الإنسان المهاجر صار أول من يدفع ثمن الجغرافيا المتوترة والسياسات المتصلبة.

في بلدان الخليج، كان الخبر الأبرز خلال الأسبوع الماضي هو تعثر خروج عشرات الآلاف من الأجانب والمقيمين والعمال الوافدين من منطقة أصبحت فجأة تحت ضغط الحرب. رويترز أفادت في 3 مارس/آذار بأن آلاف العالقين في قطر والإمارات وسواهما وجدوا أنفسهم أمام رحلات محدودة وكلفة مرتفعة ومسارات التفافية عبر عُمان والسعودية، فيما بدأت بعض الحكومات الأوروبية تنظيم عمليات إجلاء من مسقط والرياض. وبالتوازي، حذّرت منظمات عمالية وحقوقية من أن العمال المهاجرين، وبينهم عرب وأفارقة، هم الحلقة الأضعف لأنهم يعملون غالبًا في قطاعات البناء والخدمات والرعاية والعمل المنزلي، وهي قطاعات يصعب فيها التوقف الفوري أو المغادرة السريعة.

الأخطر من ذلك أن الأزمة الخليجية الأخيرة لم تقتصر على المسافرين العابرين، بل أصابت بنية العمل المهاجر نفسها. الاتحاد الدولي للعاملات المنزليات ذكّر هذا الأسبوع بأن الدول العربية تضم نحو 6.6 ملايين عاملة وعامل منزلي، وأن نحو 83% منهم مهاجرون، ما يجعل أي توتر أمني أو عسكري تهديدًا مباشرًا لأشخاص يرتبط كثير منهم بأنظمة كفالة أو علاقات عمل شديدة الهشاشة. كما أشارت منظمات حقوقية إلى حالات بقاء عاملات منزليات داخل البيوت بلا ملاجئ أو وسائل آمنة للانتقال. وبالنسبة للمغاربة والأفارقة والعرب الموجودين في الخليج، فإن هذا الواقع يعني أن خبر الهجرة لم يعد متعلقًا فقط بالأجر والتحويلات المالية، بل صار متعلقًا أيضًا بالسلامة الجسدية والقدرة على العودة.

في الاتحاد الأوروبي، ظهرت خلال الأسبوع الماضي صورتان متناقضتان. الصورة الأولى أمنية-تشريعية: لجنة الحريات المدنية في البرلمان الأوروبي تبنت في 9 مارس/آذار موقفًا مؤيدًا لتشديد قواعد “الإرجاع”، بما يفرض على من صدرت بحقهم قرارات عودة التعاون مع السلطات، ويفتح المجال أمام ترتيبات للإعادة إلى دول ثالثة في إطار اتفاقات محددة. كما نبّه مفوض مجلس أوروبا لحقوق الإنسان قبل ذلك بأيام إلى أن الصيغة المرتقبة قد تمس بحقوق المهاجرين وطالبي اللجوء. هذه التطورات تهم مباشرة المغاربة والعرب والأفارقة الموجودين في أوروبا أو على أبوابها، لأنها تعني أن لغة “الإدارة” و”الفعالية” تخفي في كثير من الأحيان تشددًا أكبر في الطرد والمراقبة.

لكن الصورة الأوروبية لم تكن سوداء بالكامل. ففي إسبانيا، وهي إحدى أهم وجهات المغاربة وشعوب غرب إفريقيا وشمالها، استمر الجدل حول مسار تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، بعدما كانت مدريد قد أقرت في يناير خطة لتقنين أوضاع نحو نصف مليون شخص، فيما نقلت رويترز أواخر فبراير أن مكاتب الهجرة تعاني أصلًا ضغطًا شديدًا قبل بدء التطبيق العملي. وفي الوقت نفسه برزت تقارير عن توسيع الولوج إلى الرعاية الصحية للمهاجرين غير النظاميين داخل إسبانيا، وهو تطور اجتماعي لافت ولو أن تفاصيله ما تزال تُتابَع ميدانيًا. معنى ذلك أن أوروبا ليست كتلة واحدة: فبين بروكسيل التي تشدد، ومدريد التي تحتاج إلى اليد العاملة وتحاول الإدماج، تتحرك حياة المهاجر على حافة التناقض.

أما على مستوى الميدان البحري، فقد بقي المتوسط شاهدًا قاسيًا على استمرار المخاطر. في 27 فبراير، وهو ضمن الموجة الإخبارية التي ظل صداها حاضرًا خلال الأسبوع الماضي، أنقذت السلطات الإسبانية 41 مهاجرًا قبالة جزر البليار بعد الإبلاغ عن قوارب مفقودة انطلقت من الجزائر، بينهم نساء ورضع بحسب التنبيهات التي أطلقتها جمعية “ووكينغ بوردرز”. كما تظهر بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن إسبانيا ما تزال تستقبل عبر البحر والبر مسارات مختلطة تضم مهاجرين من السنغال ومالي وغينيا والمغرب وموريتانيا وغيرها. هنا يتضح أن ملف الهجرة المغاربية والإفريقية إلى أوروبا لم يتراجع، بل يعيد تشكيل طرقه باستمرار وفق تشديد المراقبة وتبدل شبكات التهريب.

في الولايات المتحدة، لم يكن الأسبوع الماضي أقل توترًا. ففي 11 مارس/آذار حذّرت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري من أن تصوير المهاجرين كـ”مجرمين” أو “أعباء” من قبل مسؤولين أمريكيين كبار قد يغذي التمييز وجرائم الكراهية. وقبل ذلك بيوم، نقلت رويترز عن مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية CAIR أن حملة التشدد في ملفات الهجرة والاحتجاجات ساهمت في تصاعد الإسلاموفوبيا، مع شكاوى شملت التمييز في العمل والهجرة واللجوء والحوادث العنصرية وقيود السفر. بالنسبة للعرب والأفارقة والمسلمين، فإن هذه الأخبار لا تتعلق فقط بالمهاجر غير النظامي، بل تمس أيضًا الجاليات المستقرة التي أصبحت تشعر بأن خطاب السياسة يزحف إلى الحياة اليومية، من المطارات إلى الإدارات إلى سوق الشغل.

وزاد من قلق الجاليات الإفريقية خبر الطعن القضائي في إنهاء الحماية المؤقتة للصوماليين في الولايات المتحدة، وهو ملف يمس واحدة من أبرز الجاليات الإفريقية المسلمة. كما شهد الأسبوع نفسه تجاذبًا قانونيًا حول وضع الهايتيين، بما يعكس مناخًا أمريكيًا يميل إلى إعادة فتح ملفات الحماية الجماعية لمهاجرين قدموا من بلدان هشة أو منكوبة. صحيح أن المغاربة في الولايات المتحدة ليسوا في صدارة هذه الملفات العددية، لكنهم يتأثرون بالمناخ العام نفسه، لأن تشدد الدولة تجاه فئات بعينها يخلق مناخًا أوسع من الارتياب حيال كل ما هو مهاجر أو عربي أو مسلم أو إفريقي.

خلاصة الأسبوع الماضي أن المهاجر المغربي والعربي والإفريقي لم يعد يواجه مجرد صعوبة الاندماج أو قسوة الحدود، بل يواجه ثلاثيًّا ثقيلًا: حربًا تربك الخليج، وسياسات إرجاع تشد أوروبا، وخطابًا شعبويًا يضغط في الولايات المتحدة. ومع ذلك، تظهر داخل هذا المشهد إشارات مقاومة مدنية ومؤسساتية: تحذيرات أممية، وضغوط حقوقية، وتجارب إدماج جزئية في بلدان مثل إسبانيا. وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة الأوضح أن أخبار المهاجرين لم تعد خبرًا هامشيًا في الصفحات الداخلية، بل صارت مقياسًا أخلاقيًا لوجه العالم نفسه.

 

0 التعليقات: