الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أبريل 22، 2026

الجزائر بين مسرح الهبات الخارجية وصمت الأزمات الداخلية: عبده حقي

 


في لحظةٍ إقليمية تتسارع فيها التحولات وتُعاد فيها صياغة موازين القوة، تبدو الجزائر، على العكس من ذلك، وكأنها تسبح عكس التيار، تُبدّد طاقاتها في خطاب دعائي يبتعد عن نبض الواقع، بينما تتراكم الأزمات الداخلية على نحوٍ يصعب تجاهله أو التغطية عليه. ومن خلال قراءة متقاطعة لمضامين عدد من المقاطع المتداولة على منصة يوتيوب خلال الأيام الأخيرة، يتشكل أمامنا مشهد سياسي واجتماعي يعكس تناقضًا صارخًا بين ما يُقال رسميًا وما يعيشه المواطن الجزائري فعليًا.

أول هذه المفارقات تتجلى في ما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية الهبات”، حيث تم الإعلان عن تقديم مستشفى مجهز بالكامل إلى ناميبيا، في خطوة حاول الإعلام الرسمي تسويقها كإنجاز إنساني ودليل على “الدور الريادي” للجزائر في إفريقيا. غير أن هذه الخطوة، بدل أن تُقابل بالإشادة الداخلية، أثارت موجة من الاستياء والسخرية، لأن الواقع الصحي داخل الجزائر يعاني من اختلالات عميقة: نقص في التجهيزات، اكتظاظ في المستشفيات، هجرة الكفاءات الطبية، وتراجع جودة الخدمات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لدولة تعاني من هشاشة منظومتها الصحية أن تُهدي مستشفىً كاملاً لدولة أخرى؟ أليس في ذلك نوع من المفارقة التي تقترب من العبث السياسي؟

هذه السياسة، التي تُقدَّم كنوع من “القوة الناعمة”، تكشف في عمقها عن أزمة أولويات، حيث يتم توظيف الموارد في خدمة الصورة الخارجية بدل إصلاح الداخل. إنها محاولة لإنتاج شرعية خارجية تعوض هشاشة الشرعية الداخلية، وهو منطق طالما اعتمدته الأنظمة التي تجد صعوبة في إقناع شعوبها بجدوى سياساتها.

في سياق متصل، يبرز خطاب بعض الشخصيات السياسية، مثل لويزا حنون، كامتداد لهذا التوجه الدعائي. ففي أحد المقاطع، تظهر وهي تدافع بشراسة عن النظام الجزائري، وتهاجم فرنسا، مقدمة إياها كدولة “منهارة”، في محاولة لإعادة إنتاج سردية تقليدية تقوم على تصدير الأزمات نحو الخارج. غير أن هذا الخطاب، الذي قد يجد صداه في بعض الأوساط، لم يعد يقنع فئة واسعة من الجزائريين، الذين باتوا أكثر وعيًا بتعقيدات واقعهم الداخلي.

إن التركيز على “عدو خارجي” لم يعد كافيًا لحجب مشكلات البطالة، التضخم، تدهور القدرة الشرائية، وأزمة السكن. بل إن هذا الخطاب قد يُفهم اليوم كآلية للهروب من مواجهة الأسئلة الحقيقية: ماذا عن الإصلاحات الاقتصادية؟ ماذا عن الحريات العامة؟ ماذا عن مستقبل الشباب؟

وإذا انتقلنا إلى الجانب الأمني، نجد أن الأرقام المتداولة حول حجز كميات ضخمة من مخدر الكوكايين القادمة من جنوب إفريقيا خلال سنة 2025—تفتح بابًا آخر للقلق. فبدل أن تُقدَّم هذه العمليات كنجاح أمني مطلق، فإنها تكشف في العمق عن حجم الاختراق الذي تعاني منه البلاد في مجال الجريمة المنظمة. إذ لا يمكن لهذه الكميات أن تمر أو تُكتشف إلا في سياق وجود شبكات واسعة، وربما تواطؤات داخلية أو ثغرات مؤسساتية.

إن تفاقم ظاهرة المخدرات ليس مجرد مسألة أمنية، بل هو مؤشر على أزمة اجتماعية أعمق، ترتبط بالبطالة، الإقصاء، وانعدام الأفق لدى فئات واسعة من الشباب. وهنا، مرة أخرى، يبدو أن المعالجة تظل سطحية، تركز على النتائج بدل الأسباب، وعلى القمع بدل الوقاية.

لكن ربما أخطر ما تكشفه هذه المقاطع هو الوضع الثقافي والفكري، حيث تم منع تقديم كتاب بعنوان “هويات متمردة” وإغلاق مكتبة لمدة شهر. هذا الحدث، الذي قد يبدو هامشيًا للبعض، يحمل في طياته دلالات عميقة حول طبيعة العلاقة بين السلطة والفكر. فحين تُقمع الكلمة، ويُحاصر الكتاب، وتُغلق فضاءات النقاش، فإننا لا نكون أمام مجرد إجراء إداري، بل أمام خيار سياسي واضح: الخوف من الأفكار.

إن الثقافة، بطبيعتها، فضاء للحرية والتعدد والاختلاف، وأي محاولة لتطويعها أو إخضاعها تعني عمليًا خنق أحد أهم روافد التطور المجتمعي. وفي هذا السياق، يبدو أن الجزائر تعيش مفارقة أخرى: بلد يملك تاريخًا ثقافيًا غنيًا، لكنه يجد نفسه اليوم في مواجهة تضييق متزايد على التعبير والإبداع.

هذا القمع لا يمكن فصله عن السياق السياسي العام، حيث تُفضَّل السيطرة على الانفتاح، والاستقرار الظاهري على الحيوية الفكرية. غير أن التجارب التاريخية تُظهر أن المجتمعات التي تُغلق أبوابها أمام الفكر، تُغلق في الوقت ذاته أبواب المستقبل.

إن ما يجمع بين هذه القضايا—الصحة، الخطاب السياسي، الأمن، والثقافة—هو خيط ناظم يتمثل في غياب رؤية إصلاحية شاملة. فبدل معالجة الاختلالات البنيوية، يتم اللجوء إلى حلول ظرفية، أو إلى إنتاج خطاب دعائي يهدف إلى امتصاص الغضب دون تغييره.

في المقابل، يبدو المواطن الجزائري اليوم أكثر إدراكًا لهذه التناقضات، وأكثر قدرة على قراءة ما بين السطور. فوسائل التواصل الاجتماعي، رغم القيود، أصبحت فضاءً لكشف هذه المفارقات، وللتعبير عن رفضها. وهذا ما يفسر ربما تشدد السلطة في مراقبة هذا الفضاء، ومحاولتها التحكم في تدفق المعلومات.

إن النقد هنا لا يستهدف الجزائر كدولة أو كشعب، بل يوجه أساسًا إلى نمط من الحكم لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات، ولا على تلبية تطلعات مواطنيه. فالقوة الحقيقية لأي دولة لا تقاس بما تقدمه للخارج، بل بما توفره لمواطنيها من كرامة، وعدالة، وفرص.

وفي النهاية، يمكن القول إن هذه المقاطع، رغم بساطتها، تقدم صورة مركبة عن واقع معقد، حيث تتداخل الأزمات، وتتراكم التحديات، في ظل غياب أفق واضح للإصلاح. إنها دعوة لقراءة أعمق، ولتفكير جاد في مستقبل بلد يستحق أكثر من مجرد شعارات.



0 التعليقات: