ليس الوجود، في الفلسفة البنيوية-النسقية، تلك الحالة الرومانسية التي تبدأ بسؤال: «من أنا؟» ولا تلك الصيغة الميتافيزيقية التي تبحث عن جوهر معزول خلف الأشياء. الوجود هنا أقل شاعرية، وأكثر قسوة. إنه ليس فردًا حرًا يصرخ في الفراغ، بل عقدة داخل شبكة، نقطة توتر داخل نسق، وظيفة تؤدي دورها بصمت.
حين نتأمل الكائن الإنساني من داخل هذا المنظور، نفهم بسرعة أننا لا نقيم خارج البنى، بل داخلها. اللغة تسبقنا، القوانين تحيط بنا، الرموز تكتبنا قبل أن نكتبها. نحن لا نختار النظام كما نختار ثوبًا، بل نولد في قلبه، نتحرك وفق منطقه، ونقاومه بأدوات هو نفسه وفّرها لنا.
الفلسفة البنيوية، منذ بداياتها مع سوسير ثم انتقالها إلى الأنثروبولوجيا مع ليفي-ستروس، لم تكن معنية بالسؤال الوجودي الكلاسيكي بقدر ما كانت مشغولة بتشريح البنى الخفية التي تنظّم المعنى. لكن التحول الحقيقي حدث حين التقت البنيوية بالفكر النسقي، فأصبح الوجود لا يُفهم إلا بوصفه عنصرًا يعمل داخل منظومة أكبر منه، لا يملك استقلاله الكامل، ولا يفقد حضوره كليًا.
في هذا السياق، لا يعود الإنسان «ذاتًا مركزية»، بل موقعًا. موقعًا لغويًا، اجتماعيًا، معرفيًا. وحتى الوعي ذاته لا يبدو ملكية شخصية خالصة، بل نتيجة تفاعل معقد بين أنساق متداخلة: اللغة، الثقافة، السلطة، الذاكرة الجمعية. كأن الفكر نفسه لم يعد يفكر من تلقاء ذاته، بل يُفكَّر فيه.
ومع ذلك، لا تقودنا هذه الرؤية إلى العدمية كما يعتقد البعض. على العكس، إنها تكشف شكلًا آخر من الوجود: وجودٌ واعٍ بقيوده، مدركٌ لموقعه، قادر على المناورة داخل النسق بدل الاصطدام الأعمى به. فالحرية، في الفلسفة النسقية، لا تعني الخروج من النظام، بل فهم منطقه، والتلاعب بمساراته، واستثمار ثغراته.
الوجود داخل النسق يشبه السباحة في تيار قوي. لا يمكنك إيقافه، لكن يمكنك تعديل اتجاهك، اختيار سرعة حركتك، وربما الوصول إلى ضفة غير متوقعة. هنا تتحول الفلسفة من بحث عن «المعنى النهائي» إلى ممارسة نقدية مستمرة، تُعيد مساءلة القواعد التي تبدو بديهية.
ولعل أخطر ما تكشفه الفلسفة البنيوية-النسقية هو وهم الفردانية المطلقة. ذلك الوهم الذي يُقنع الإنسان بأنه سيّد قراراته بالكامل، بينما هو في الواقع يتكلم لغة لم يخترها، ويفكر بمفاهيم صاغها تاريخ لم يعشه، ويعيش داخل منظومات سياسية واقتصادية تسبق وعيه.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن للنسق أن يفكّر في نفسه؟ وهل الوجود، بوصفه جزءًا من هذا النسق، قادر على توليد وعي نقدي لا يعيد إنتاج البنية ذاتها؟ هنا بالضبط تتجدد الفلسفة، لا كنسق مغلق، بل كحركة شك دائمة، كتوتر خلاق بين ما هو قائم وما يمكن أن يكون.
في النهاية، الوجود في الفلسفة البنيوية-النسقية ليس صرخة فرد في صحراء، بل همس داخل شبكة معقدة. همس قد يبدو ضعيفًا، لكنه القادر وحده على تغيير نبرة النظام من الداخل.








0 التعليقات:
إرسال تعليق