الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، يناير 26، 2026

من رئيس بلا هيبة إلى نظام يبحث عن مخرج: عبده حقي

 


لم تعد “الزلة” الإعلامية حدثًا عابرًا، ولا التصريح الصادم مجرد انفعال لحظي، بل تحوّلت إلى مؤشرات عميقة على تصدّعات بنيوية داخل السلطة نفسها. العناوين المتداولة في الساعات الأخيرة—من وصف الرئيس عبد المجيد تبون بـ«البلطجي»، إلى اتهام شخصيات من قلب النظام بالكذب، وصولًا إلى الحديث عن رفض الجيش لعهدة رئاسية جديدة، ثم التحذير من “ملكية مقنّعة” بلا تاج—ليست سوى أعراض لأزمة سياسية مركبة تعيشها الجزائر في صمت رسمي وضجيج إعلامي بديل.

أول هذه العناوين، الذي أثار صدمة واسعة، يتعلّق بخروج أمير ديزاد عن كل الأعراف الخطابية حين وصف الرئيس تبون بـ«voyou». خطورة هذا الوصف لا تكمن فقط في حدّته الأخلاقية، بل في كونه صادرًا عن فضاء كان يُصنَّف، إلى وقت قريب، ضمن الهوامش الرمادية بين المعارضة والنظام. أن يصل الخطاب إلى هذا المستوى من التوصيف، فذلك يعني أن صورة “الرئيس التوافقي” التي سُوِّقت بعد حراك 2019 بدأت تتآكل حتى داخل دوائر كانت تتعامل بحذر مع رأس السلطة. الصدمة هنا ليست لغوية، بل سياسية: إنها تعبير عن سقوط الهيبة، وعن انتقال النقد من السياسات إلى الشخص ذاته، وهو ما يحدث عادة في الأنظمة التي تفقد أدوات الضبط الرمزي.

حين يتهم بوعلام بوعلام بالكذب، ويؤكد أن قائد الأركان سعيد شنقريحة والمؤسسة العسكرية قالا “لا” لتبون بخصوص 2029. هذه الرواية، سواء كانت دقيقة بالكامل أو جزئية، تفتح نافذة على الصراع الحقيقي داخل النظام الجزائري: صراع العهدة والسلطة، لا صراع البرامج أو الرؤى. فالتجربة السياسية الجزائرية منذ الاستقلال تؤكد أن الرئاسة لا تُحسم في صناديق الاقتراع بقدر ما تُطبخ في ميزان العلاقة بين الرئاسة والجيش. مجرد تداول فكرة أن الجيش رفض مسبقًا تمديد الحكم، يعني أن تبون لم يعد “مرشح الإجماع العسكري”، بل تحوّل إلى رئيس مرحلة انتقالية أطول مما ينبغي.

الذي يحذّر من تخلي تبون عن العهدة الثالثة مع احتفاظه بكامل السلطة وتحوله إلى “ملِك”، فيحمل مفارقة لافتة. فالخطاب الرسمي يسعى منذ سنوات إلى نفي تهمة “الحكم الفردي”، بينما الواقع الدستوري والسياسي يسير في الاتجاه المعاكس. إذا كان الرئيس يتخلى شكليًا عن الترشح، لكنه يواصل التحكم في مفاصل القرار، وتعيين الولاة، وتوجيه القضاء، وضبط الإعلام، فإننا أمام نموذج مألوف في أنظمة ما بعد الجمهوريات الثورية: رئيس بلا لقب دائم، لكنه حاضر في كل التفاصيل، كظلّ لا يغادر القصر.

التصريحات “المذهلة والصادمة” لبوعلام بوعلام حول سعيد شنقريحة، يكشف أن الصراع لم يعد رأسيًا فقط بين الرئيس والجيش، بل أصبح أفقيًا داخل المعسكر نفسه. حين تبدأ شخصيات محسوبة على النظام في تبادل الاتهامات والتلميحات، فهذا يعني أن منطق “الجدار الصامت” الذي حكم الجزائر لعقود بدأ يتشقق. لم تعد الخلافات تُدار في الغرف المغلقة فقط، بل صارت تُسرَّب إلى الرأي العام عبر قنوات رقمية، في محاولة لكسب التعاطف أو تصفية الحسابات.

ما يجمع بين هذه العناوين ليس الإثارة الإعلامية وحدها، بل دلالتها العميقة على أزمة شرعية. تبون، الذي جاء في سياق وعد بطي صفحة بوتفليقة، وجد نفسه محاصرًا بتركة ثقيلة: اقتصاد هش، عزلة إقليمية، أزمة ثقة داخلية، ومؤسسة عسكرية لا تقبل الشركاء الدائمين. في هذا السياق، يصبح الحديث عن “ملكية جمهورية” أو “رئاسة بلا عهدة” مجرد توصيفات لمحاولة النظام إعادة إنتاج نفسه بأدوات أقل كلفة سياسيًا.

اللافت أيضًا أن هذه السجالات تجري خارج الإعلام الرسمي، في فضاءات رقمية بديلة، ما يعكس فشل الخطاب الرسمي في احتواء النقاش العام. حين يصبح “اليوتيوب” ووسائل التواصل مسرحًا لتحليل موازين القوة داخل الدولة، فهذا يعني أن القنوات المؤسسية فقدت دورها التفسيري، وأن السلطة لم تعد قادرة على التحكم في السردية.

في الخلاصة، هذه العناوين ليست مجرد أخبار متفرقة، بل فصول من رواية واحدة: رواية نظام يعيش مرحلة اهتزاز داخلي، يبحث عن مخرج آمن دون أن يملك شجاعة الإصلاح الحقيقي. الجزائر اليوم لا تعاني من نقص في الشعارات، بل من فائض في السلطة المركّزة، ومن غياب أفق سياسي واضح. وبين رئيس يُتَّهم بالتحول إلى “ملك بلا تاج”، وجيش يُقال إنه يضع خطوطًا حمراء، وإعلام بديل يرفع السقف، يبقى المواطن الجزائري هو الحلقة الأضعف في معادلة لا تزال تُدار فوق رأسه.


0 التعليقات: