الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يناير 25، 2026

دبلوماسية المصافحات بدل دبلوماسية الحلول: عبده حقي

 


في السياسة، أحيانًا تكفي مصافحة واحدة لتقول ما تعجز عنه عشرات الخطب والبيانات. ليست المصافحة هنا فعلَ لباقةٍ بروتوكولية، بل جملةً سياسيةً مكتملة الأركان، تُكتب بالكفّ لا بالحبر، وتُقرأ بما وراء الأصابع لا بما فوق الطاولة.

المصافحة التي جمعت رأس الدولة الجزائرية بزعيم شرذمة البوليساريو ليست حدثًا عابرًا ولا لقطة بروتوكولية بريئة. إنها مشهد مسرحي قصير، لكنه كثيف الدلالات، يُعاد فيه إنتاج خطاب قديم بلغة جسدية جديدة: نحن هنا، ما زلنا هنا، وسنبقى نلوّح بنفس الورقة ولو تهرّأت أطرافها.

اللافت في هذه المصافحة ليس تَشابُك الأيدي، بل تَشابُه المآزق. يدٌ تمثل دولةً تُعلن في كل مناسبة أنها لا علاقة لها بالنزاع، ويدٌ أخرى تمثل كيانًا يعيش على الأوكسيجين السياسي القادم من تلك “اللا علاقة”. هكذا، دون عناء كبير، تتحول المسافة بين الخطاب والواقع إلى مجرد فراغ صغير يُردم بمصافحة أمام الكاميرات.

في العُرف الدبلوماسي، المصافحة اعتراف ضمني. وفي علم النفس السياسي، هي طمأنة متبادلة. أما في الحالة الجزائرية–البوليسارية، فهي أشبه برسالة طمأنة داخلية قبل أن تكون خارجية: لا تقلقوا، ما زلنا أوفياء للعقيدة، حتى وإن تغيّر العالم من حولنا، وحتى وإن باتت الخرائط تُرسم اليوم بلغة المصالح لا بشعارات السبعينيات.

السخرية هنا لا تأتي من الفعل ذاته، بل من السياق. فبينما تُغلق دول العالم ملفات النزاعات المفتوحة وتبحث عن صيغ عقلانية للتعاون الإقليمي، ما تزال بعض الأنظمة تُصرّ على إعادة تسخين نفس الطبق البارد، مع إضافة بهارات خطابية جديدة عن “تقرير المصير” و”الشرعية الثورية”، وكأن الزمن توقف عند نشرة أخبار قديمة بالأبيض والأسود.

المصافحة، في هذا السياق، ليست دعمًا سياسيًا فقط، بل اعترافًا غير مباشر بفشل مشروع كامل. فلو كانت “الجمهورية” الموعودة قائمة بذاتها، لما احتاجت إلى هذا القدر من الرعاية الرسمية، ولا إلى هذا الظهور المتكرر في حضن الدولة الجارة. الكيانات الواثقة من نفسها لا تُصافَح لتثبيت وجودها، بل تُصافِح من موقع الندية.

وما يزيد المشهد عبثية، أن الخطاب الرسمي لا يزال يُقسم بالأيمان المغلظة أن الجزائر “ليست طرفًا في النزاع”. طرفٌ لا يموّل، لا يحتضن، لا يُصافح، لا يُدافع في المحافل الدولية… طرفٌ غائب حاضر، أو حاضر غائب، حسب زاوية الكاميرا.

في السياسة الساخرة، يمكننا القول إن هذه المصافحة تشبه مصافحة شخصٍ لنفسه أمام المرآة. حركة دائرية مغلقة، لا تُنتج جديدًا، لكنها تمنح صاحبها شعورًا مؤقتًا بالرضا. رضا لا يغيّر موازين القوى، ولا يُقنع المنتظم الدولي، ولا يُخفي حقيقة أن الملف بات عبئًا أكثر منه ورقة ضغط.

المغرب، في المقابل، لم يعد بحاجة إلى الرد على كل مصافحة بمذكرة احتجاج، ولا إلى ملاحقة كل صورة بتصريح رسمي. فالوقائع على الأرض، والاعترافات الدولية المتتالية، والاستثمارات المتدفقة في الأقاليم الجنوبية، جعلت من تلك المصافحات مجرد حركات في الفراغ، تُصفّق لها القاعة نفسها وتُطفأ أنوارها سريعًا.

الدرس الأهم في هذه القصة أن السياسة لا تُدار بالعواطف، ولا بالصور الرمزية وحدها. المصافحة قد تُرضي جمهورًا داخليًا مُتعبًا من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، لكنها لا تبني دولة، ولا تُحرر صحراء، ولا تُقنع التاريخ بتغيير مساره.

وفي النهاية، تبقى المصافحة مجرد مصافحة. يدٌ باردة في يدٍ باردة، في زمنٍ لم يعد يعترف إلا بالحقائق الصلبة. أما الشعارات، فمكانها الطبيعي لم يعد القصور ولا المؤتمرات، بل أرشيف الذاكرة السياسية، حيث تُحفَظ الأشياء التي انتهت صلاحيتها، ويُكتب تحتها: استُعملت كثيرًا… ولم تنجح.


0 التعليقات: