الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، نوفمبر 13، 2025

قراءة نقدية في كتاب نيل بوستمان “تسلية أنفسنا حتى الموت : ترجمة عبده حقي

 


يُعَدّ كتاب نيل بوستمان Amusing Ourselves to Death، الصادر سنة 1985، واحداً من أكثر الكتب تأثيراً في النقد الثقافي للإعلام المعاصر. وقد اكتسب قيمة تنبؤية لافتة، إذ لم يكتفِ بوستمان بتحليل التحوّلات الإعلامية في عصر التلفزيون، بل قدّم رؤيةً تتنبأ بعمقٍ بواقعنا الحالي حيث تُهيمن الترفيهية على المعرفة، ويصبح الخبرُ مشهداً، والسياسة عرضاً، والثقافة سوقاً للمؤثرات البصرية.

يمثّل هذا الكتاب محاولة لقراءة اللحظة الإعلامية من منظور فلسفي-أنثروبولوجي؛ فبوستمان لا يدرس التلفزيون كأداة تقنية، بل كنظام معرفي يعيد تشكيل الذوق، وطريقة التفكير، وعلاقات السلطة، وصورة الإنسان عن ذاته. جوهر أطروحته أنّ المجتمعات الحديثة لا تُقمع بالمعلومة المحجوبة، بل بالمعلومة المتخمة، ولا تُستَعبَد بالرقابة، بل بالإلهاء المفرط. إنّ موت المعرفة، وفق بوستمان، لا يحدث في الظلام، بل في ضوضاء التسلية.

أولاً: رسالة بوستمان — من هيمنة الصورة إلى انحطاط الخطاب

ينطلق الكتاب من مقارنة لافتة بين عالمين: عالم جورج أورويل في 1984 حيث تُخضَع الشعوب بالقوة والقمع، وعالم ألدوس هكسلي في Brave New World حيث تُخضَع الشعوب عبر اللذة والترفيه والتكييف النفسي. ويرى بوستمان أنّ العالم المعاصر يشبه إلى حدّ كبير نبوءة هكسلي: لا حاجة لوزارة الحقيقة ولا للشرطة السرّية؛ فالجماهير أصبحت تُضحك نفسها حتى الموت.

يؤكد بوستمان أنّ الصورة التلفزيونية — بطبيعتها السريعة والمجزّأة والعاطفية — تُقصي التفكير الخِطابي العميق المرتبط بالكلمة المكتوبة. فالحجّة العقلية تحتاج إلى زمن، وإلى تراكم، وإلى ترابط منطقي، بينما تُحوّل الشاشة كلّ شيء إلى “ومضة”، و“انفعال”، و“لقطة جذابة”. ومع هذا التحوّل، تتغير الفلسفة واللغة والذائقة: تصبح قيمة القول في شكله لا في محتواه، وفي مؤثراته البصرية لا في منطقه الداخلي.

ثانياً: التلفزيون كمسرح للسياسة — انحدار الخطاب العام

يُفرد بوستمان فصلاً تحليلياً للسياسة بوصفها "عرضاً". فالخطاب السياسي، الذي كان سابقاً يعتمد على الخطابة الفلسفية والمناظرات العقلية، أصبح في التلفزيون محكوماً بضرورات الفرجة: مدة قصيرة، رسائل بسيطة، لغة شعاراتية، ابتسامات مقنّنة، وصوتٍ مدرّب أكثر مما هو فكرٍ مُنتَج.

يشير بوستمان إلى أنّ المناظرات التلفزيونية ليست مناظرات بمعنى الكلمة، بل هي أقرب إلى عروض تجارية مُسوّقة للمرشحين. وبذلك ينزل النقاش العام من فضاء العقل إلى مسرح الانفعالات، وتصبح السياسة أقرب إلى صناعة ترفيهية، فيها نجوم، ومخرجون، وخبراء صورة، ومؤثرات صوتية، وقياسات متواصلة للرأي العام.

هذا التحوّل، وفق بوستمان، ليس تفصيلاً؛ إنّه تغيير جذري في جوهر الديمقراطية، لأنه يحوّل المواطن من ذاتٍ ناقدة إلى متلقٍ مُستمتِع، ومن مشارك في الشأن العام إلى مستهلكٍ لمنتج سياسي.

ثالثاً: الدين في الشاشة — المقدّس بعد أن أصبح استعراضاً

يتناول بوستمان أثر التلفزيون على الخطاب الديني، ويحلل كيف تحوّل العديد من البرامج الوعظية إلى فضاءات تستعير قواعد الترفيه: موسيقى افتتاحية، إنشاد عاطفي، صور درامية، تبرعات مباشرة، وحضور جماهيري صاخب.

يرى بوستمان أنّ المقدّس يفقد معناه حين يُعرَض بقواعد السوق. فحين يُختزَل الدين في خطاب عاطفي سريع، يُفقد عمقه التأملي والروحاني، ويتحول إلى "منتج" يُباع ويُشترى، لا إلى نظام قيم ينظّم الوجود.

رابعاً: المعرفة السريعة — وهمُ الفكر في عصر “البِتّات”

يلاحظ بوستمان أنّ تدفق المعلومات في الشكل التلفزيوني يمنح شعوراً زائفاً بالمعرفة. فالأخبار السريعة والمقاطع القصيرة تُنتج إحساساً بأن المتلقي مطّلعٌ على العالم، بينما الحقيقة أنّه لا يستوعب إلا القليل، ولا يفهم السياقات ولا العلاقات السياسية والاقتصادية المعقّدة.

السرعة تُميت الفهم، كما يقول بوستمان.

ويصل المؤلف إلى خلاصة خطيرة: إنّ وفرة المعلومات لا تعني وفرةٍ في الوعي، بل قد تعني فوضى معرفية تُفقِد الإنسان قدرته على التفكير النقدي، وتحوّله إلى مستهلك دائم للرسائل العابرة.

خامساً: راهنية الكتاب في عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي

بعد أربعة عقود على صدور الكتاب، يبدو Amusing Ourselves to Death أكثر ملاءمة لعصر الهواتف الذكية، ومنصات البث، و"الترند"، والريلز، والإعلانات الموجّهة بالخوارزميات.

لم يعد التلفزيون وحده يشكّل بنية التسلية المهيمنة؛ بل ظهرت منصات أكثر قوة وقدرة على الإلهاء: "تيك توك"، "يوتيوب شورتس"، "إنستغرام ريلز"، "خوارزميات التخصيص الفائق"، "المحتوى المختصر"… كلها تُجسّد حرفياً ما وصفه بوستمان: مجتمع يُسلّي نفسه حتى يفقد القدرة على التفكير الطويل.

بل إنّ الذكاء الاصطناعي النصي والبصري يطرح تحديات جديدة:
هل سنعيش في عالم تُنتج فيه الآلات محتويات مُسلّية تُخدّر الوعي؟
أم يمكن تحويل هذه الأدوات إلى وسائط تعزّز الثقافة والمعرفة الحقيقية؟

خاتمة: بين نبوءة بوستمان ومسؤولية القارئ

يظل كتاب نيل بوستمان نداءً فلسفياً لإنقاذ المعنى في زمن التسلية الشاملة. فرسالته الأساسية ليست معاداة التكنولوجيا بقدر ما هي دعوة إلى وعي نقدي يجعل الإنسان سيد الشاشة لا عبدها، ومُنتِجاً للمعرفة لا متلقياً سلبياً لهوامشها الخفيفة.

إن القراءة العميقة، والحوار العقلاني، والتمسّك بقيمة الفكرة قبل الصورة، كلّها تمثل في نظر بوستمان أسلحة فكرية تحفظ المجتمع من الانزلاق إلى هاوية الثقافة السطحية، حيث تختفي الفروق بين الحقيقة والفرجة، بين الخبر والحدث، وبين الإنسان و"المستهلك".


0 التعليقات: