كثيرا ما جرى تقديم كرة القدم، في المخيال الثقافي الكلاسيكي، بوصفها لعبة شعبية خالصة، تنتمي إلى الشارع والملعب والمدرج، وتبدو بعيدة عن عالم المثقفين والكتّاب والشعراء، أولئك الذين يُفترض أنهم يعيشون في أبراج الكتب، محاطين بالأسئلة الوجودية واللغة المجردة. غير أن هذا التصور، على شيوعه، يخفي تاريخًا طويلًا من التداخل العميق بين كرة القدم والأدب، بين الجسد الذي يركض والفكر الذي يكتب، وبين الملعب بوصفه مسرحًا للفرجة والنص بوصفه فضاءً للتأمل.
كثير من المثقفين لم
يكونوا مجرد متفرجين على كرة القدم، بل مارسوا اللعبة، أو عاشوها تجربةً أخلاقية وجمالية،
واستلهموا منها رؤى فلسفية وأدبية عميقة. كرة القدم، في نظرهم، لم تكن نقيضًا للفكر،
بل امتداده الجسدي، ولغةً أخرى للتعبير عن الإنسان في لحظاته القصوى: الفرح، الهزيمة،
التضامن، الخيانة، والعدالة المؤجلة.
من أبرز هؤلاء ألبير
كامو، الذي لم يُخفِ يومًا أن أعظم دروسه الأخلاقية لم يتلقها في قاعات الفلسفة، بل
في مرمى فريق مدينته وهران. كان كامو حارس مرمى، وهو موقع يفرض على صاحبه عزلةً خاصة
ومسؤولية مضاعفة؛ خطأ واحد قد ينسف مجهود الفريق كله. من هنا صاغ كامو جملته الشهيرة
عن الأخلاق والإنسان، معتبرًا أن ما تعلّمه عن العدالة والتضامن تعلّمه من كرة القدم.
بالنسبة إليه، كانت اللعبة مدرسة في التواضع، وفي فهم هشاشة الإنسان أمام القدر.
أما الشاعر والمخرج
الإيطالي بيير باولو بازوليني، فقد ذهب أبعد من ذلك، حين اعتبر كرة القدم لغةً قائمة
بذاتها، لها نحوها وصرفها وجمالياتها. بازوليني كان لاعبًا شغوفًا، وكان يرى في التمريرة
الذكية استعارة شعرية، وفي الهدف المفاجئ لحظة كشف شعري تشبه ومضة القصيدة. لم يكن
يرى تعارضًا بين كتابة قصيدة ولعب مباراة، بل كان يعتبرهما فعلين متكاملين، كلاهما
ينطوي على المخاطرة والخيال والانضباط.
وفي أمريكا اللاتينية،
حيث تمتزج كرة القدم بالسياسة والهوية، يبرز اسم الكاتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو،
الذي حوّل كرة القدم إلى مادة أدبية خالصة. في كتاباته، لا تظهر الكرة مجرد لعبة، بل
مرآة للعالم، تكشف علاقات القوة والظلم، وتفضح رأسمالية الرياضة الحديثة، وفي الوقت
نفسه تحتفي باللحظة السحرية التي يولد فيها الهدف كقصيدة عابرة. غاليانو لم يكن لاعبًا
محترفًا، لكنه كان كاتبًا مارس كرة القدم بالقلم، وركض خلفها بالجملة والفقرة.
حتى الكاتب الإنجليزي
جورج أورويل، المعروف بصرامته النقدية، كتب عن كرة القدم بلهجة متحفظة، معتبرًا إياها
أحيانًا امتدادًا للصراع القومي، لكنه في الوقت ذاته أدرك قوتها الرمزية، وقدرتها على
شحن الجماهير بالعاطفة والانتماء. هذا التوتر في موقف أورويل يعكس إشكالية أوسع لدى
كثير من المثقفين: الإعجاب باللعبة من جهة، والخوف من تحولها إلى أداة تعبئة عمياء
من جهة أخرى.
في السياق العربي،
لم يكن الأدباء بمعزل عن كرة القدم. محمود درويش كتب عن الكرة بوصفها فسحة فرح مؤقت
في حياة مثقلة بالاحتلال، وكان يرى في المنتخب لحظة وحدة رمزية نادرة. أما نزار قباني
فقد تعامل معها بوصفها ظاهرة جماهيرية تعكس تحولات المجتمع العربي، أحيانًا بسخرية،
وأحيانًا بحنين إلى بساطة الفرح الجماعي.
أما في السياق المغربي،
لم تكن العلاقة بين الأدب وكرة القدم علاقة متابعة من بعيد، بل تجربة معيشة داخل الملعب
نفسه. فقد عرف المشهد الثقافي أسماءً أدبية مارست اللعبة بقدمين ملوثتين بغبار الملاعب
الشعبية، قبل أن تمسك القلم. كان عبد الكريم الجويطي مثالًا على الكاتب الذي يرى في
كرة القدم مرآةً للمدينة والذاكرة، إذ لم يُخفِ يومًا شغفه العميق برجاء بني ملال،
ولا نظرته إلى الفريق باعتباره نصًا جماعيًا تُكتب فصوله في المدرجات قبل الصحف. أما
عبد الكبير الخطيبي، المفكر والمنظر الكبير، فقد مارس كرة القدم في شبابه، وكان يُنظر
إليه كلاعب واعد، قبل أن يختار مسار الفكر والنقد، حاملاً معه حسّ الجماعة والانضباط
الذي تمنحه اللعبة. وفي القنيطرة، عاش إدريس الصغير تجربة اللعب ضمن الرجاء القنيطري،
بينما وقف الشاعر محمد بن دفعة حارسًا للمرمى في النادي القنيطري، متحملًا عبء الخطأ
الأخير كما يتحمله الشاعر أمام الصفحة البيضاء. هكذا، تكشف التجربة المغربية أن كرة
القدم لم تكن نقيضًا للكتابة، بل تمرينًا مبكرًا على الصبر، والخيال، واللعب داخل حدود
صارمة، وهي القيم نفسها التي تصنع أديبًا حقيقيًا.
إن ما يجمع هؤلاء المثقفين،
على اختلاف لغاتهم وتجاربهم، هو إدراكهم أن كرة القدم ليست مجرد تسعين دقيقة، بل نص
مفتوح على التأويل. هي سردية لها بداية وعقدة ونهاية، أبطالها معروفون، ونهاياتها غير
مضمونة. هي مسرح تراجيدي وكوميدي في آن، حيث يمكن للبطل أن يسقط في لحظة، وللمجهول
أن يصنع مجده في ثانية.
لذلك، لم يكن غريبًا
أن يجد الكاتب في كرة القدم ما يغذّي خياله، وأن يجد الشاعر فيها إيقاعًا آخر للقصيدة،
وأن يرى الأديب في المدرج مختبرًا اجتماعيًا حيًا. كرة القدم، في جوهرها، تمنح المثقف
فرصة نادرة لمغادرة برج العزلة، والالتحام بالجماعة، من دون أن يفقد فردانيته. إنها
تذكّره بأن الفكر لا يعيش بلا جسد، وبأن اللغة، مهما علت، تحتاج أحيانًا إلى صرخة هدف
كي تستعيد حرارتها.
في النهاية، لا تبدو
العلاقة بين المثقف وكرة القدم علاقة تناقض، بل علاقة تكامل. فكما يحتاج الملعب إلى
قوانين غير مكتوبة، يحتاج النص إلى نبض الحياة. وكما تولد المتعة من تمريرة جميلة،
تولد الحكمة أحيانًا من مباراة خاسرة. بين القلم والكرة، يكتشف الإنسان وجهه الكامل:
عقل يفكر، وقلب يهتف، وجسد يركض خلف حلم دائري اسمه الكرة.
في الصورة فريق ألبير كامو








0 التعليقات:
إرسال تعليق