في مكانٍ ما بين شاشة مضيئة وملف رقمي قديم، يولد شكل جديد من الحكاية. ليست حكاية تُروى اعتمادًا على الذاكرة وحدها، ولا هي إعادة تدوير للتاريخ كما حفظته الكتب المدرسية. إنها رواية تنبش، تفتش، وتتردد، قبل أن تكتب. رواية تخرج من الأرشيف الرقمي كما يخرج الصوت من صمت طويل.
الكاتب اليوم لا يطرق باب الماضي بيده العارية. أمامه ملايين الوثائق، أخبار قديمة، محاضر محاكم، رسائل شخصية، صور باهتة، كلها محفوظة في ذاكرة إلكترونية لا تنام. هذه الوفرة لا تقتل الخيال، بل تضعه أمام امتحان صعب: كيف يحوّل الكم الهائل من المعطيات إلى قصة يمكن تصديقها والشعور بها؟ هنا يصبح العمل الأدبي أشبه بالخياطة الدقيقة، حيث تُجمع شظايا الواقع بخيط تخييلي رفيع.
الرواية التاريخية، حين تستند إلى الأرشيف الرقمي، لا تدّعي امتلاك الحقيقة كاملة. هي تعرف أن الأرشيف نفسه انتقائي، وأن ما وصلنا هو ما سمحت به السلطة، أو الصدفة، أو التقنية. لذلك، يتسلل الكاتب بين السطور، يصغي إلى ما لم يُكتب، ويمنح الغائبين فرصة ثانية للظهور. وكأن النص يقول للقارئ: هذا ما وجدته، وهذا ما تخيلته، وبين الاثنين مساحة للتأمل.
ما يميّز هذا النوع من السرد أنه لا يسير في خط مستقيم. الزمن فيه يتكسر، الأصوات تتعدد، والوثيقة قد تتحول إلى مشهد حي. تقرير إداري بارد قد يصبح مدخلًا لمأساة إنسانية، وإحصاء سكاني قد ينقلب إلى قصة حب أو فقد. هكذا تتحول البيانات، التي تبدو بلا روح، إلى مادة نابضة، شرط أن يقترب منها الكاتب بحس إنساني لا تقني فقط.
في النهاية، رواية الأرشيف الرقمي ليست احتفالًا بالتكنولوجيا، بل اختبارًا جديدًا للأدب نفسه. هل يستطيع السرد أن يظل إنسانيًا في عالم تحكمه الخوارزميات؟ الجواب لا يأتي من النظرية، بل من النصوص التي تنجح في جعل القارئ ينسى الشاشة، ويتذكر الإنسان. هنا فقط، يصبح الأرشيف أكثر من ذاكرة رقمية، ويغدو التاريخ حكاية قابلة للحياة من جديد.








0 التعليقات:
إرسال تعليق