يبدو الإنسان، في مساره الفكري الحديث، ككائن يسير على حبلٍ مشدود بين تصورين متباعدين في الظاهر، متداخلين في العمق: تصورٍ يرى فيه ذاتًا حرة تصنع معناها بنفسها، وآخر يختزله في مجموع استجابات مشروطة، قابلة للتوقع والقياس. بين هذين الأفقين تتشكل إحدى أعقد الأسئلة الفلسفية والمعرفية في القرن العشرين: هل الإنسان مشروع حرية أم نتيجة برمجة؟
في قلب هذا الجدل تقف سيمون دو بوفوار، بوصفها أحد أبرز أصوات الوجودية الإنسانية. في أعمالها الفكرية، لا سيما الجنس الآخر، لم تنظر إلى الإنسان كمعطى جاهز، بل ككائن في طور التشكل الدائم، تصنعه اختياراته بقدر ما تقيده شروطه. عبارتها الشهيرة حول المرأة — أنها لا تولد امرأة بل تصبح كذلك — ليست توصيفًا بيولوجيًا، بل تشخيص فلسفي لكيفية اشتغال المجتمع في نحت الذوات، دون أن يلغي إمكان المقاومة. الحرية هنا ليست مطلقة، لكنها عنيدة، تشبه نبتة تشق الإسفلت في مدينة إسمنتية.
في الجهة المقابلة، تقترح السلوكية تصورًا يبدو أكثر صرامة وأقل شاعرية. منذ تجارب جون واطسون، مرورًا بأعمال بورهوس سكينر، جرى اختزال السلوك الإنساني في معادلات المثير والاستجابة، حيث يصبح التعلم نتاج التعزيز والعقاب، لا ثمرة وعي أو نية. هذا المنظور، الذي هيمن على علم النفس الأمريكي في منتصف القرن العشرين، وجد صداه في المؤسسات التربوية والإعلامية وحتى في آليات السلطة الحديثة، كما لاحظ لاحقًا مفكرون مثل ميشيل فوكو عند تحليله لأدوات الضبط الاجتماعي.
غير أن التعارض بين الوجودية والسلوكية ليس حادًا كما يبدو للوهلة الأولى. فبينما تشدد بوفوار على الحرية، لا تنكر ثقل الشروط الاجتماعية والتاريخية، وهي شروط تقترب في منطقها من مفهوم “البرمجة” السلوكية. وفي المقابل، لم تستطع السلوكية، رغم ادعاءاتها العلمية، أن تفسر بالكامل ظواهر الإبداع، التمرد، أو القفزات الأخلاقية المفاجئة التي لا تخضع لمنطق التعزيز البسيط. كأن الإنسان، في الحالتين، يظل أكثر تعقيدًا من أي نموذج نظري يُراد له أن يحيط به.
تاريخيًا، جاءت هذه النقاشات في سياق عالمي مضطرب. ما بعد الحرب العالمية الثانية، صعود الأنظمة الشمولية، توسع الإعلام الجماهيري، وبداية هندسة الرأي العام؛ كلها أحداث جعلت سؤال الحرية والسلوك سؤالًا سياسيًا بقدر ما هو فلسفي. ليست مصادفة أن تُقرأ أعمال بوفوار في زمن المطالبة بالتحرر النسوي، ولا أن تُستثمر السلوكية في الإعلانات، وإدارة الجماهير، وحتى في تصميم الخوارزميات المعاصرة التي تتنبأ بسلوك المستخدمين.
هنا يبرز التشبيه الأكثر دقة: الإنسان ليس آلة مبرمجة بالكامل، ولا شاعرًا حرًا في فراغ. إنه أقرب إلى عازف داخل أوركسترا ضخمة؛ النوتة مكتوبة سلفًا، والإيقاع مفروض، لكن هامش الارتجال يظل قائمًا، صغيرًا أحيانًا، حاسمًا أحيانًا أخرى. هذا الهامش هو ما دافعت عنه الوجودية، وما حاولت السلوكية تجاهله أو تقليصه.
إن إعادة قراءة بوفوار اليوم، في زمن الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات السلوكية، تمنح فكرها راهنية جديدة. فبينما تتطور أدوات التنبؤ والتحكم، يظل سؤال المسؤولية الفردية مطروحًا بإلحاح: هل نُعفى من المحاسبة لأن سلوكنا متوقع؟ أم أن الوعي بالبرمجة هو الخطوة الأولى لكسرها؟
في نهاية المطاف، لا يكمن التحدي في اختيار معسكر فكري ضد آخر، بل في إدراك التوتر الخلاق بين الحرية والشرط، بين الاختيار والتنشئة. ذلك التوتر هو ما يجعل الإنسان إنسانًا، لا مجرد كائن يستجيب، ولا أسطورة حرية مطلقة، بل تجربة مفتوحة على الاحتمال.








0 التعليقات:
إرسال تعليق