حين نشر الباحث الأمريكي هنري جنكنز كتابه ثقافة التقارب، لم يكن بصدد توصيف ظاهرة تقنية عابرة، ولا تسجيل ملاحظات صحفية حول تطوّر الوسائط، بل كان، في العمق، يحاول الإمساك بروح عصرٍ يتشكّل على مهل، حيث لم تعد الحدود بين الإعلام، والجمهور، والتكنولوجيا، كما كانت عليه في القرن العشرين.
هذا كتاب لا يُقرأ بعين واحدة، لأن صفحاته لا تتحرّك في اتجاهٍ واحد؛ إنّها تتقاطع، تتداخل، وتتشابك، تمامًا كما تتقاطع الشاشات في حياتنا اليومية.
ينطلق جنكنز من مفهوم “التقارب” بوصفه مسارًا ثقافيًا قبل أن يكون تحوّلًا تقنيًا. فالتقارب، في نظره، لا يعني اندماج الأجهزة، بل تلاقي المحتويات، وانتقال السرديات من وسيط إلى آخر، وتحوّل المتلقي من مستهلكٍ سلبي إلى فاعلٍ مشارك.
القارئ هنا لا يواجه أطروحة جاهزة، بل يدخل إلى مختبرٍ فكري، تُفكَّك فيه العلاقة التقليدية بين منتج الرسالة الإعلامية ومتلقيها.
أحد أكثر الجوانب إثارة في الكتاب هو تركيزه على “ثقافة المعجبين”، تلك المساحة التي طالما نظر إليها الإعلام الكلاسيكي بشيءٍ من التعالي أو السخرية. يعيد جنكنز الاعتبار لهذه الثقافة، ويكشف كيف أصبحت منصّةً للإبداع، وإعادة السرد، وبناء المعنى الجماعي.
هنا، لا يعود الجمهور جمهورًا، بل يتحوّل إلى مجتمعٍ تأويلي، يعيد كتابة النصوص، ويقاوم السلطة الرمزية للإعلام المركزي.
الكتاب لا يخلو من بعدٍ سياسي، وإن لم يعلنه صراحة. فحين تتغيّر طبيعة المشاركة، تتغيّر موازين القوة. وحين يصبح السرد عابرًا للمنصّات، تفقد المؤسسات التقليدية احتكارها للمعنى.
بهذا المعنى، فإن ثقافة التقارب ليس كتابًا عن الإعلام فقط، بل عن الديمقراطية الثقافية، وعن هشاشة السيطرة في زمن التدفق الرقمي.
لغة جنكنز، رغم طابعها الأكاديمي، تظل مرنة، أقرب إلى الحوار منها إلى التقرير. وهو لا يتحدّث من برجٍ نظري معزول، بل يستند إلى أمثلة من السينما، والتلفزيون، والألعاب، والإنترنت، مما يجعل الكتاب حيًّا، نابضًا، وقابلًا للتأويل المتجدّد.
في المحصلة، يمكن القول إن هذا العمل لا يقدّم إجابات نهائية، بل يفتح أسئلة مزعجة:
من يملك القصة؟
ومن يحدد معناها؟
وهل ما نعيشه اليوم هو ذروة المشاركة، أم مجرد بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق