الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يناير 11، 2026

من التحقيقات الصينية إلى سباق الطاقة النووية: إعداد عبده حقي

 


شهدت الأيام الأخيرة زخماً لافتاً في أخبار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، كاشفةً عن تحوّلات عميقة لا تقتصر على الابتكار التقني، بل تمتدّ إلى السياسة، والاقتصاد، والأخلاقيات، وسوق العمل، وأنماط الاستهلاك الرقمي. أسبوعٌ واحد جمع بين التحقيقات الجيوسياسية، وخطابات قادة الصناعة، وتراجع بعض الرموز التقنية، وصعود تطبيقات ذكية تعيد تعريف علاقتنا بالحواسيب والمنصّات الاجتماعية.

في هذا السياق، برزت خطوة الصين بفتح تحقيق حول صفقة مرتبطة بشركة Meta، في رسالة واضحة مفادها أنّ سباق استقطاب مواهب الذكاء الاصطناعي لم يعد شأناً اقتصادياً صرفاً، بل بات قضية سيادية تمسّ توازن القوى التكنولوجية عالمياً. بكين، التي تراقب عن كثب انتقال الخبرات والعقول، وجّهت إنذاراً مبكّراً للشركات الغربية بأنّ المنافسة على الكفاءات لن تمرّ دون ضوابط أو مساءلة.

في المقابل، جاء معرض الإلكترونيات الاستهلاكية CES ليعكس تحوّلاً في أولويات الصناعة. فالملاحَظ هذا العام كان تراجع الحضور القوي للسيارات الجديدة، بعدما كان المعرض في سنوات سابقة منصّة رئيسية لابتكارات التنقّل الذكي. هذا التراجع لا يعني أفول قطاع السيارات، بقدر ما يكشف عن انتقال مركز الثقل نحو البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدّمة، باعتبارها المحرّك الحقيقي للمرحلة المقبلة.

ضمن هذا النقاش، أطلق Jensen Huang، الرئيس التنفيذي لشركة NVIDIA، تحذيراً لافتاً من الخطاب المتشائم المحيط بالذكاء الاصطناعي. واعتبر أنّ المبالغة في التخويف من هذه التكنولوجيا لا تعيق الاستثمار فحسب، بل تضرّ بالمجتمع عبر تأخير حلول قادرة على تحسين الصحة والتعليم والإنتاجية. خطاب هوانغ جاء بمثابة دفاع صريح عن الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تقدم لا تهديداً وجودياً.

غير أنّ التفاؤل التقني لم يمنع بروز إشكالات أخلاقية حادّة، كما حدث مع أداة «غروك» على منصة X، حيث أثارت حوادث توليد محتوى جنسي، بما في ذلك ما وُصف بحالات «نزع الملابس» من الصور، موجة انتقادات واسعة. هذه التطورات دفعت المنصة إلى تقييد الوصول إلى الأداة، في دليل جديد على أنّ الذكاء الاصطناعي، حين يُترك بلا حوكمة صارمة، قادر على تجاوز الخطوط الحمراء بسرعة مقلقة.

على مستوى الاستخدام اليومي، يواصل الذكاء الاصطناعي إعادة رسم ملامح الحواسيب الشخصية، التي لم تعد مجرّد أدوات تشغيل تقليدية، بل منصّات ذكية تتعلّم من المستخدم، وتتكيف مع عاداته، وتؤدي دور المساعد الشخصي في العمل والإبداع. هذا التحوّل يشي بعصر تصبح فيه التجربة الرقمية أكثر سلاسة، وأقرب إلى التفاعل الإنساني.

لكن هذا التوسّع الهائل في قدرات الذكاء الاصطناعي يطرح تحدياً آخر لا يقلّ أهمية: الطاقة. في هذا الإطار، راهنت Meta على خيار استراتيجي مثير للجدل، عبر الاستثمار في المفاعلات النووية لتأمين احتياجاتها المتزايدة من الكهرباء. سباق الطاقة النووية هنا ليس خياراً بيئياً فحسب، بل ضرورة تشغيلية في عالم تتضخم فيه مراكز البيانات بوتيرة غير مسبوقة.

وفي ميدان أكثر حساسية، تحوّل القطاع الطبي إلى ساحة صراع مفتوحة بين عمالقة الذكاء الاصطناعي، الساعين إلى السيطرة على تقنيات التشخيص، وتحليل الصور الطبية، وإدارة البيانات الصحية. هذا التنافس يحمل وعوداً كبيرة بتحسين الرعاية الصحية، لكنه يثير في الوقت ذاته أسئلة أخلاقية حول الخصوصية، وملكية البيانات، ودور الإنسان في القرار الطبي.

أما على مستوى التطبيقات اليومية، فقد أعلنت Google عن إعادة ابتكار خدمة Gmail، عبر تحويل صندوق الوارد إلى مساعد ذكي يقترح الردود، وينظم الرسائل، ويتنبأ بالأولويات. خطوة تعكس توجهاً عاماً نحو دمج الذكاء الاصطناعي في أبسط تفاصيل الحياة الرقمية. وبالموازاة، أطلقت WhatsApp مزايا جديدة لتنظيم المجموعات وتحسين التفاعل، في محاولة لجعل التواصل الجماعي أكثر فاعلية وأقل فوضى.

خلاصة هذا الأسبوع التكنولوجي المكثف أنّ الذكاء الاصطناعي لم يعد خبراً مستقبلياً، بل واقعاً يومياً تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية، والهواجس السياسية، والتحديات الأخلاقية. عالمٌ يتقدّم بسرعة، فيما يبقى السؤال مفتوحاً: هل سننجح في موازنة الابتكار بالمسؤولية، أم أنّ السباق سيستمرّ أسرع من قدرتنا على الضبط والفهم؟


0 التعليقات: