الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يناير 11، 2026

قراءة نقدية بناءة في مسار الحكومة المغربية: عبده حقي


لا يمكن مقاربة أداء الحكومة المغربية اليوم بمنطق التبسيط أو الاصطفاف السريع بين منطق التمجيد المطلق أو الهدم الكلي. فالمشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تتحرك داخله الحكومة يتسم بتعقيد غير مسبوق، داخلياً وخارجياً، ويستدعي قراءة نقدية مركبة تعترف بشموخ بالإنجازات، وتفكك الأعطاب بنقد بناء، وتضع السياسات العمومية في ميزان الواقعية التاريخية لا في ميزان الشعارات.

منذ تنصيبها، وجدت الحكومة نفسها أمام تراكمات ثقيلة: أزمة صحية عالمية لم تترك اقتصاداً سالماً، اضطرابات في سلاسل التوريد، موجات تضخم مستوردة، توترات جيوسياسية إقليمية، وضغط اجتماعي متصاعد بفعل اتساع الفوارق وانتظارات الطبقة الوسطى والفئات الهشة. ضمن هذا السياق، أصبح الحكم على السياسات العمومية فعلاً نقدياً مسؤولاً، لا مجرد انطباع سياسي عابر.

اقتصادياً، راهنت الحكومة على إعادة الثقة في الاستثمار، واستكمال الأوراش الكبرى التي أطلقها المغرب خلال العقد الأخير، خاصة في مجالات البنية التحتية، الصناعة، والانتقال الطاقي والرقمي. ويُحسب لها الحفاظ على توازنات ماكرو-اقتصادية حساسة في ظرف دولي مضطرب، وتفادي الانزلاق نحو سياسات شعبوية قصيرة النفس. غير أن هذا الخيار، رغم وجاهته التقنية، كشف محدوديته اجتماعياً، إذ لم تنعكس مؤشرات النمو النسبي بالسرعة المطلوبة على القدرة الشرائية للمواطنين، ولا على تخفيف وطأة الغلاء الذي أصبح هاجساً يومياً.

في هذا السياق، تبدو مسألة العدالة الاجتماعية نقطة التماس الأكثر حساسية في عمل الحكومة. فقد تم إطلاق إصلاحات هيكلية كبرى، من بينها تعميم الحماية الاجتماعية، وإعادة هيكلة أنظمة الدعم، وتوسيع التغطية الصحية. وهي إصلاحات ذات بعد استراتيجي لا يمكن إنكار أهميتها التاريخية. لكن الإشكال لا يكمن في الاختيار، بل في وتيرة التنفيذ، وفي ضعف التواصل السياسي القادر على شرح الكلفة الآنية لهذه التحولات مقابل مكاسبها المستقبلية. فالإصلاح حين يُفهم فقط عبر أثره المالي المباشر، يتحول في الوعي الجمعي إلى عبء لا إلى أفق.

أما في المجال الاجتماعي، فقد سعت الحكومة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، مع التركيز على الفئات الهشة والعالم القروي. غير أن السياسات الاجتماعية، بطبيعتها، لا تُقاس فقط بحجم الميزانيات المرصودة، بل بقدرتها على خلق أثر ملموس في حياة الناس. وهنا تبرز فجوة واضحة بين الخطاب العمومي والواقع اليومي، خاصة في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة. فرغم البرامج المعلنة، ما يزال المواطن يواجه صعوبات بنيوية تتعلق بجودة الخدمات، وتفاوت الولوج، وضعف الحكامة المحلية.

في التعليم، تطرح مسألة الإصلاح نفسها بإلحاح. فالحكومة ورثت منظومة تعاني اختلالات عميقة، لا يمكن تصحيحها بقرارات ظرفية أو إجراءات معزولة. وقد تم الإعلان عن برامج طموحة لإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، وتحسين أوضاع المدرسين، وتحديث المناهج. غير أن الرهان الحقيقي يبقى في القدرة على تحويل هذه الوعود إلى سياسة تعليمية منسجمة، طويلة النفس، تُخرج التعليم من منطق التدبير الإداري إلى منطق المشروع المجتمعي.

وفي الصحة، كشفت التجربة الوبائية هشاشة المنظومة، لكنها في الوقت نفسه فتحت نافذة إصلاح حقيقية. الحكومة مضت في توسيع التغطية الصحية، وتعزيز البنية الاستشفائية، وتشجيع الاستثمار في القطاع. ومع ذلك، فإن الإشكال لا يزال قائماً على مستوى الموارد البشرية، وجودة الخدمات، وتفاوت العرض الصحي بين المركز والهامش. وهو ما يجعل الإصلاح الصحي رهيناً بإرادة سياسية متواصلة، لا تتوقف عند حدود الإعلان أو التدشين.

سياسياً، يُؤخذ على الحكومة ضعف خطابها السياسي، وتراجع قدرتها على إنتاج سردية مقنعة حول اختياراتها. فالتواصل السياسي ليس ترفاً، بل أداة حكم أساسية، خاصة في فترات التحول والإصلاح. إن غياب خطاب يربط بين السياسات العمومية وحياة المواطن اليومية يفتح المجال أمام التأويل، ويغذي الشعور بعدم الإنصات، حتى عندما تكون القرارات في جوهرها ضرورية.

وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن الحكومة تشتغل ضمن إطار مؤسساتي واضح، منسجم مع التوجهات الكبرى التي يرعاها الملك محمد السادس، خاصة في ما يتعلق بتعزيز الدولة الاجتماعية، وترسيخ مكانة المغرب إقليمياً ودولياً. فقد واصل المغرب توسيع حضوره الدبلوماسي، وتنويع شراكاته الاقتصادية، وتعزيز موقعه كفاعل إقليمي مستقر في محيط مضطرب. وهذه المكتسبات الاستراتيجية تشكل رصيداً للدولة، بغض النظر عن الحكومات المتعاقبة.

إن النقد الإيجابي لأداء الحكومة المغربية يقتضي الاعتراف بأن جزءاً من الإخفاقات ليس ناتجاً عن سوء نية أو غياب رؤية، بل عن ثقل المرحلة، وتعقيد التحولات، وحدود الإمكانات. لكنه في الوقت ذاته يفرض مساءلة جدية حول أولويات السياسات، وطرق تنزيلها، وقدرتها على استعادة الثقة. فالثقة لا تُمنح بالخطابات، بل تُبنى عبر الإحساس بالعدالة، والإنصاف، والقدرة على التوقع.

في المحصلة، تقف الحكومة المغربية اليوم عند مفترق طرق: إما أن تنجح في تحويل أوراش الإصلاح الكبرى إلى قصة جماعية يشعر المواطن بأنه جزء منها، أو أن تظل هذه الأوراش حبيسة لغة الأرقام والتقارير. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي سياسياً بامتياز: كيف نجعل من الإصلاح مساراً مفهوماً، ومن الدولة الاجتماعية واقعاً محسوساً، لا مجرد وعد مؤجل.

 

0 التعليقات: