الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يناير 11، 2026

سرديات جديدة لعالم متحوّل: قراءة في مستجدات الثقافة والإعلام والأدب الرقمي: إعداد عبده حقي

 


في خضم الأسبوع الأخير، تشهد الساحة الثقافية والفنية والإعلامية والرقمية زخمًا من التطورات والفعاليات التي تعكس تحوّلات مجتمعية عميقة في المغرب والعالم العربي وأفريقيا والعالم. يأتي هذا التقرير المسترسل ليجمع بين أهمّ ما خلّفه الأسبوع وما يلفت الانتباه في مجالات الإبداع، والابتكار، والصحافة، والتقنية، والأدب الرقمي، في محاولة لرصد دينامية هذا المشهد الحيوي.

في المغرب، انطلقت أنشطة ثقافية بارزة تتجاوز التظاهرات التقليدية، من أبرزها افتتاح المعرض الوطني «60 سنة من الفن التشكيلي بالمغرب» في الرباط، الذي يُعدّ تحفة إبداعية وطنية تجمع نخبة من الفنانين التشكيليين، وتوثّق رحلة الفن المغربي من بعد الاستقلال إلى اليوم، في مشهد يبرز إعادة قراءة تاريخ الإبداع الوطني وتثمين الإرث الفني أمام جمهور واسع ومتنوّع. كما يشهد المشهد الفني المغربي تفاعلًا مع مسابقات موسيقية وفعاليات ثقافية محلية تتماهى مع أجواء الاحتفالات، في حين يرتبط الفن بالاحتفاء بالتراث وعرضه في سياقات معاصرة تستقطب الزائرين من مختلف الفئات. وفي الوقت نفسه، يتفاعل المشهد العام في المملكة مع أحداث رياضية كبرى مثل كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، التي رغم كونها رياضية في ظاهرها إلا أنها أصبحت جزءًا من المشهد الثقافي العام الذي يوحّد الجماهير ويصبغ التجربة الوطنية بروح احتفالية وشاملة. هذه الأحداث الفنية والثقافية في المغرب تأتي في وقت يزداد فيه وعي الجمهور بأهمية الفنون والإبداع في الحياة اليومية والمشهد العام للمجتمع.

على مستوى العالم العربي، حفلت الفعاليات الموسيقية الكبرى ومنها موسم الدرعية في السعودية الذي يشهد مشاركات نخبة من الفنانين العرب، بينما تستمر الاحتفالات الموسيقية والبرامج الثقافية التي تسعى إلى إبراز التنوّع الفني والتراث الثقافي. تتزامن هذه الفعاليات مع تحوّلات في المشهد الإعلامي؛ ففي دبي، يجمع «قمة مليار متابع» آلاف منشئي المحتوى من مختلف بلدان العالم لمناقشة مستقبل وسائل الإعلام الرقمية والاقتصاد الإبداعي، مبرزين كيف تعيد خوارزميات المحتوى وتفاعل الجمهور تشكيل الدور التقليدي للصحافة، مع بروز شبكات إعلامية متخصصة تستهدف قدرات محلية وإقليمية تتجاوز نماذج الإعلام الكلاسيكية. في هذه الفعالية تجلى التأثير المتزايد للاقتصاد الإبداعي في إعادة رسم حدود صناعة الإعلام، حيث بات صناع المحتوى الصوتي والمرئي والرقمي ينافسون المؤسسات التقليدية على الوعي الجماهيري.

في إفريقيا، يتزايد الاهتمام بالتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي في الصحافة والمؤسسات الإعلامية، مع إطلاق مؤسسات بحثية ومسوح لجمع بيانات حول استخدام الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار العربية والإفريقية، سعياً لوضع أسس أكثر مسؤولية وأخلاقية في الاعتماد على هذه التكنولوجيا في التحقق من الأخبار وإنتاج المحتوى الصحفي. تعكس هذه المبادرات وعيًا متناميًا بالتحديات التي تواجه الإعلام في ظل الثورة الرقمية، حيث يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن أن تعزز الإنتاج الصحفي وأن تطرح في نفس الوقت مخاطر تتطلب تنظيمًا وتأطيراً مهنيًا.

من منظور عالمي، تتسارع التطورات التكنولوجية في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، لاسيما في مجال الصحافة والإعلام. حيث تظهر تقارير حديثة أن تكامل الذكاء الاصطناعي في التعليم الإعلامي وصحافة المدى الطويل قد يكون عاملًا تغييريًا في كيفية إنتاج القصص الصحفية وتوزيعها، لكن النتائج غير متساوية على المستوى الدولي، فتظل الفجوات قائمة بين الدول المتقدمة والجنوبية في الاستفادة من التحوّلات الرقمية. وتشهد الشركات التقنية الكبرى تحديثات مستمرة في نماذج الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، بما في ذلك أدوات محسنة للترجمة النصية والتحقيقات الصحافية، وكذلك تطوير منصات تفاعلية تعتمد على الصوت والذكاء التنبؤي. كما يستمر سباق الشركات في عرض نماذج جديدة من تقنيات الذكاء الاصطناعي على منصات عالمية في وقت يشهد سوق التقنية تحديات تنظيمية وضغوطًا تنافسية.

في المجال الأدبي الرقمي، برزت في الفترة الأخيرة نقاشات واسعة حول معنى ما يُعرَف بـ«الأدب الرقمي» وكيف يتجاوز كونه مجرد نص مكتوب على شاشة حاسوب، ليصبح تجربة تفاعلية حيث يتشارك القارئ في عملية السرد ويصبح شريكًا في الإبداع. هذا التحوّل يشكل مسارًا جديدًا في الإبداع الأدبي، إذ لم يعد النص وحده محوريًا، بل التجربة الرقمية المتكاملة التي تلعب فيها الوسائط المتعددة دورًا مهمًا في تشكيل القصة والمضمون. تتناول الدراسات والمقالات الحديثة كيف يمكن أن يعيد الأدب الرقمي تعريف علاقات بشر مع النصوص، وكيف يتفاعل القارئ مع المحتوى بطرق ابتكارية جديدة تتجاوز الأشكال التقليدية للقراءة والكتابة، مما يفتح آفاقًا لممارسات سردية متعددة ومتداخلة.

على صعيد العالم، الإنترنت والتقنيات الرقمية أصبحتان إطارين أساسيين لفهم الأدب والثقافة في العصر الحديث، إذ تظهر قواعد نشر إلكترونية ومجلات متخصصة في الأدب الرقمي تعمل على جمع أعمال الكُتّاب والباحثين في هذا المضمار حول العالم. كما تتوسع الموارد الرقمية التي تُعنى بالأدب الرقمي وتعرّف القراء على أشكال جديدة من السرد والتجريب الإبداعي.

في الختام، يمكن القول إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشهد دينامية ثقافية وإبداعية متسارعة تتفاعل مع التحوّلات الرقمية والتكنولوجية العالمية. من مهرجانات فنية في المغرب والعالم العربي إلى قمة لصناع المحتوى الرقمي في دبي، ومن مبادرات الذكاء الاصطناعي في الإعلام إلى نقاشات حول الأدب الرقمي كممارسة إبداعية تنبثق من شبكة التواصل العالمية، يتضح أن الأجندة الثقافية والإعلامية المعاصرة لم تعد قابلة للفصل عن الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الحديثة، بل أصبحت هذه العوامل نفسها من أهم المحركات التي تشكّل المشهد الثقافي والابداعي اليوم.

0 التعليقات: