في عصرٍ تتكاثف فيه الإشعاعات غير المرئية داخل فضاءاتنا اليومية مثل غبارٍ دقيقٍ يتسلل إلى الرئة دون أن نشعر، تبدو أزمة النفايات الإلكترونية والتلوّث الرقمي واحدة من أكثر الظواهر استعصاءً على الفهم العام. فالعالم يستهلك اليوم ملايين الأطنان من الأجهزة الذكية سنوياً، ثم يتركها تتراكم في مكبّات إفريقيا وآسيا كما تتراكم الأسئلة في ذهن القارئ عن مصير هذه المعادن الثقيلة والبطاريات السامّة. في مثل هذه الصورة القاتمة، يبرز دور الصحافة بوصفها «ضمير البيئة الرقمية»، ومختبراً لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.
لقد بدأ هذا التحول يظهر جلياً منذ أن نبّهت تقارير أممية—كالتقرير السنوي للاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) حول النفايات الإلكترونية—إلى أن العالم أنتج سنة 2024 ما يزيد عن 62 مليون طن من المخلفات الإلكترونية، وهو رقم يتجاوز وزن «سور الصين العظيم» لو أُعيد تشكيله من شرائح إلكترونية. هذه الزيادة الهائلة أعادت إلى الواجهة مسؤولية الإعلام في تفكيك هذه الأزمة، ليس بوصفها مشكلة تقنية فحسب، بل كقضية اجتماعية وسياسية واقتصادية تشبه في تعقيدها قضايا تغيّر المناخ.
تقوم الصحافة، في هذا السياق، بدورٍ مركزي يشبه دور «المجهر» الذي يجعل اللامرئي مرئياً. فهي تكشف سلسلة العمليات التي تُنتج هذا التلوّث: من تصنيع الأجهزة في آسيا، إلى الاستهلاك في أوروبا وأمريكا، ثم إلى «رميها» في بلدان الجنوب حيث تظهر ملامح الاقتصاد غير الرسمي لإعادة التدوير وما يرافقه من مخاطر صحية. وقد قدّمت صحافة الحلول—كما عرّفها ديفيد بورنشتاين في كتابه Solutions Journalism—نماذج رائدة عبر تحقيقات تعتمد البيانات المفتوحة وتتبع سلسلة التوريد الرقمية، الأمر الذي جعل الجمهور قادراً على رؤية الصورة كاملة، لا مجرد مظاهر سطحية.
وتزداد أهمية هذا الدور مع انتشار ما تُسمّيه شانون ماثيوز في مقالها بمجلة Digital Environment بـ«التلوّث الخفي»، أي ذاك الناتج عن استهلاك الطاقة في مراكز البيانات التي تُدير الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. فكما تتصاعد حرارة الكوكب في صمت، تتضخم أيضاً «بصمت» البصمة الكربونية لتطبيقات يستخدمها ملايين البشر دون أن يدركوا أن ضغطة زر واحدة قد تعني حرق المزيد من الفحم في محطة بعيدة عنهم آلاف الكيلومترات.
وهنا يبرز تحدٍّ آخر: كيف يمكن للصحافة أن تتجنب التحول إلى جزء من المشكلة؟ إذ إن منصات الأخبار نفسها تساهم في التلوّث الرقمي عبر البنى التحتية الضخمة، والأرشيفات المتراكمة، والبث الرقمي المستمر. كتب نيكولاس كار في The Shallows عن «استنزاف الانتباه» الذي تسببه البنية الرقمية الحديثة، وهو ما ينطبق أيضاً على استنزاف الطاقة والموارد. لذا، يصبح لزاماً على المؤسسات الإعلامية أن تعيد النظر في هندسة غرف الأخبار، وأن تعتمد على أدوات صديقة للبيئة، وجدولة نشر تقلّل من استهلاك الخوادم، وتطوير استراتيجيات أرشفة أكثر رشداً.
كما تفتح هذه الأزمة الباب أمام نقاش أوسع حول العدالة البيئية. فغالباً ما تُصدَّر النفايات الإلكترونية إلى مجتمعات فقيرة لا تمتلك القدرة المؤسسية لمعالجتها. وقد كشفت العديد من التقارير الاستقصائية، مثل تحقيق The Guardian حول مكبّات غانا الإلكترونية، أن أطفالاً يعملون في ظروف خطيرة لحرق الأسلاك واستخراج النحاس، في عملية تشبه «طقساً جنائزياً للتكنولوجيا الحديثة». وهنا، لا بدّ للصحافة أن تشتغل كمنبر مقاومة، فتُصغي للأصوات الهامشية، وتعيد بناء السردية بعيداً عن مركزية شمال–جنوب، وتُحوِّل القضية إلى ملف رأي عام عالمي.
وليس من المبالغة القول إن مستقبل محاربة التلوّث الرقمي مرتبطٌ—إلى حدّ بعيد—بقدرة وسائل الإعلام على إنتاج سرديات جديدة تُغيّر سلوك المستهلك. فالنماذج الرائدة مثل حملة Right to Repair في أوروبا وأمريكا، والتي تبنّتها صحف كبرى مثل The New York Times وLe Monde, أثبتت أن الصحافة يمكن أن تُصبح قوة ضغط تشريعية تجعل الشركات تعيد التفكير في تصميم الأجهزة، بحيث تكون أطول عمراً وأسهل إصلاحاً.
في نهاية المطاف، ليست أزمة النفايات الرقمية مجرد حكاية عن أجهزة قديمة وشرائح مهجورة. إنها مرآةٌ تكشف هشاشة علاقتنا بالتكنولوجيا، ومسؤوليتنا الأخلاقية تجاه كوكب يئنّ بصمت. والصحافة، بما تملكه من قدرة على التأثير في الوعي الجمعي، مطالبة بأن تتحول من مجرّد وسيطٍ ناقل للخبر إلى فاعلٍ بيئيّ، يربط التكنولوجيا بالإنسان، والمعلومة بالمصير، وينحت وعياً جديداً يُقيم وزناً للبيئة داخل فضاءٍ رقمي يزداد اتساعاً وتعقيداً يوماً بعد يوم.








0 التعليقات:
إرسال تعليق