لا يحدثُ “الجديد” في عالمِ الكتابِ الإلكترونيّ بالطريقةِ نفسها التي يحدثُ بها في عالمِ الكتبِ الورقيّة. هناك رواياتٌ ودواوينُ وكتبُ فكرٍ تصلُ كنسخةٍ رقميةٍ في اليومِ نفسه، نعم… لكنّ الزلزالَ الحقيقيّ غالبًا ما يقعُ في مكانٍ آخر: في المعاييرِ التقنيّة التي تُحدِّد كيف سيُقرأ النصّ، وفي الأجهزةِ التي تغيّر عاداتِ العين، وفي سياساتِ المنصّات التي تُعيد رسمَ علاقةِ القارئ بما يشتريه. وخلال الشهورِ الأخيرة، يمكنُ القول إنّ الكتابَ الإلكترونيّ دخلَ دورةَ تجديدٍ واضحة: ألوانٌ على شاشات الحبرِ الإلكترونيّ، تحديثاتٌ معياريةٌ تُثبِّت “لغة” النشر الرقمي، ونقاشٌ متجدّد حول القفلِ الرقمي (DRM) وحقِّ القارئ في حملِ كتابه إلى أيّ مكان.
في صلبِ هذا التحوّل يقفُ معيارُ EPUB 3.3، بوصفه أحد أهمّ الإصدارات “غير المرئية” للجمهور، لكنها الأكثر تأثيرًا على المدى البعيد. فـ W3C (الجهةُ العالمية المعنيّة بمعايير الويب) نشرت تحديثًا لتوصية EPUB 3.3 في 27 مارس 2025 بهدف توضيح متطلبات المطابقة والتوافق، أي جعل قواعد “متى نقول هذا ملف EPUB صحيحًا؟” أكثر دقةً وأقل التباسًا. ثم جاء نصّ المواصفة نفسها بصفته توثيقًا معياريًا محدثًا بتاريخ 13 يناير 2026، مؤكدًا أنّ EPUB ليس مجرد “ملف كتاب”، بل حاويةٌ ذكية لصفحاتٍ تُكتب بتقنيات الويب: HTML وCSS وSVG وغيرها. وبين هذين التاريخين، تتضح الرسالة: الصناعة لا تريد فقط محتوى رقميًا، بل تريد قابليةَ انتقالٍ واستدامة؛ تريد كتابًا لا يشيخُ لأن جهازًا ما توقف عن دعمه.
ومع المعايير، يتحركُ شريكُها الطبيعي: “أنظمة القراءة” أو تطبيقات وأجهزة عرض EPUB. فهناك أيضًا وثائقٌ تُحدِّد شروطَ توافق “قارئات EPUB” مع المعيار الجديد، أي كيف ينبغي للبرمجيات أن تَعرض وتُفسّر تلك الحاوية الرقمية. هذا يبدو تقنيًا وجافًا، لكنه عمليًا يعني شيئًا بسيطًا يهم القارئ العربي قبل غيره: كلما اتسع التوافقُ مع المعيار، قلَّت المفاجآتُ المزعجة (سطورٌ تتكسر، هوامشٌ تختفي، حروفٌ عربية تُعامَل كضيوفٍ ثقلاء).
لكنّ “الجديد” لا يكتفي بتحسين القواعد… بل يذهب إلى تغيير المشهد البصري نفسه. السنواتُ الماضية جعلت الحبرَ الإلكترونيّ مرادفًا للرمادي الأنيق، وللصفحات التي تُشبه الورق. الآن تدخل الألوانُ إلى هذا العالم بقوة، وخصوصًا مع موجة أجهزة القراءة الملوّنة التي تُخاطب فئاتٍ كانت تشعر أن الكتاب الرقمي “بارد” أو “غير كافٍ”: قارئو القصص المصورة، وكتب الأطفال، والكتب التعليمية، وكتب الطبخ، والخرائط، والمجلات. شركة Rakuten Kobo دفعت هذا الاتجاه علنًا عندما أعلنت في 10 أبريل 2024 عن أجهزة ملوّنة مثل Kobo Libra Colour وKobo Clara Colour، واضعةً اللونَ في قلب تجربة القراءة اليومية بدل اعتباره ترفًا. وفي الضفة الأخرى من السوق، ظهرت سلسلة Kindle Colorsoft بوصفها محاولةً لتقديم اللون داخل منظومة كيندل، مع تسويق يركّز على أن الغلاف ليس وحده من يستفيد، بل حتى التحديدات والأقسام المرئية داخل المحتوى.
ولأن السوق لا يحبّ الوقوف عند جهاز واحد، تمدّدت الفكرة إلى فئة “الدفتر الرقمي” أيضًا. فالأجهزة التي تجمع بين القراءة والكتابة بالقلم، مثل Kindle Scribe، دخلت هي الأخرى إلى مرحلة إعادة التصميم، مع إعلان “فيرج” عن نماذج جديدة، من بينها نسخة ملوّنة ضمن عائلة Scribe، تتحدث عن شاشة أكبر وتجربة كتابة أقرب للورق وتحديثات برمجية تتصل بالتخزين السحابي والتكامل مع خدمات شائعة. هنا تتحوّل “القراءة” إلى شيءٍ آخر: إلى دفترٍ شخصيّ، وإلى ورشةِ تعليقٍ وتدوينٍ على الهامش، وإلى مكتبةٍ تُعامل النصّ على أنه قابلٌ للحوار لا للاستهلاك الصامت.
غير أنّ أكثر ما يثيرُ النقاش في عالم الكتب الإلكترونية ليس اللون ولا القلم، بل سؤال الملكية: هل أملك الكتاب الذي اشتريته؟ هذا السؤال القديم عاد إلى الواجهة بسبب خبرٍ لافت: تغيّرٌ في سياسة أمازون يُتيح—بحسب ما نُشر—إمكانية توفير كتب دون DRM (أو السماح للناشرين/المؤلفين بالاختيار)، ما يفتح الباب لتحميل نسخ قابلة للقراءة خارج بيئة كيندل بصيغ مثل EPUB أو PDF، ولو بحدود وشروط. الفكرة هنا ليست تقنية فقط؛ إنها ثقافية. القارئ يريد أن يأخذ مكتبته معه كما يأخذ ذاكرته: من هاتفٍ إلى جهاز، من منصة إلى أخرى، دون أن يشعر أنه مستأجرٌ لكتبه.
وبينما تتصارع المنصّات الكبرى حول الإغلاق والانفتاح، تستمر ماكينة “الإصدارات” بالمعنى التقليدي أيضًا: كتبٌ جديدة تصل أسبوعيًا إلى المتاجر الرقمية، وتُقدَّم في قوائم ترشيحات تخلط الأدب بالمساعدة الذاتية وبالسير وبالعلوم الإنسانية. منصّة Kobo مثلًا تنشر بانتظام قوائم “كتب جديدة هذا الأسبوع” تشمل كتبًا إلكترونية وكتبًا صوتية، وهو نموذج صار جزءًا من اقتصاد الانتباه: لا يكفي أن يصدر الكتاب، بل يجب أن يُعرض كحدثٍ مُجدّد في موجةٍ لا تنتهي من العناوين.
ما الذي تعنيه هذه “الإصدارات” كلّها للقارئ العربي، وللكاتب العربي، وللناشر الذي يوازن بين الورق والرقم؟ تعني أولًا أنّ الكتاب الإلكتروني لم يعد “خيارًا ثانويًا”. حين يدخل اللون إلى الحبر الإلكتروني، فهو يوسّع الخريطة: كتب الفن والتصوير والتعليم المبكر والكتب المدرسية المساندة يمكن أن تجد لنفسها حياةً أكثر إقناعًا على الشاشة. وحين تتثبت معايير EPUB 3.3 وتزداد وضوحًا وتوافقًا، فهذا يَعِدُ بأن رحلة الكتاب العربي بين التطبيقات ستكون أقل ألماً: تنسيقٌ أفضل، إمكانيةُ وصولٍ أعلى، وتدرّجٌ أوسع في دعم اتجاه الكتابة من اليمين إلى اليسار ضمن منظومة الويب نفسها.
وتعني ثانيًا أن معركة “الصيغة” تُوازي معركة “اللغة”. كثيرٌ من مشاكل الكتب العربية الرقمية ليست في نقص العناوين، بل في ضعف الصناعة حولها: مدققاتٌ ناقصة، خطوطٌ غير محسومة، ملفات EPUB تُصدَّر كصورٍ جامدة بدل نصّ حيّ، وحقوقٌ رقمية تُطبّق بلا استراتيجية فتؤذي القارئ أكثر مما تحمي الناشر. في هذا المناخ، يصبح معيار EPUB 3.3 فرصةً للناشرين الجادّين: فرصة لبناء ملفاتٍ مرنة، قابلة للبحث، صديقة لذوي الإعاقة البصرية، وقادرة على العيش سنوات دون أن تنهار بتحديثٍ بسيط.
وتعني ثالثًا أن “الكتاب الإلكتروني” صار جزءًا من اقتصادٍ أوسع يتوقع نموًا مستمرًا، سواء عبر الاشتراكات أو المكتبات الرقمية أو المبيعات المباشرة. تقارير السوق التجارية تذهب إلى أرقام نمو معتبرة خلال السنوات المقبلة، ما يشير إلى أن المنافسة ستشتد: على المحتوى، وعلى حقوق التوزيع، وعلى تجربة القراءة نفسها.
في النهاية، ما يحدث اليوم يمكن تلخيصه بصورةٍ واحدة: المكتبةُ لم تعد رفًّا… بل نظامًا بيئيًا. معيارٌ يضبط اللغة الخفية للكتاب، جهازٌ يغيّر علاقة العين بالنص، منصةٌ تفاوض على حدود الملكية، وقارئٌ يريد شيئًا بسيطًا جدًا: أن يقرأ بسلام، وأن يحتفظ بكتبه، وأن يشعر أن الصفحة الرقمية ليست أقل إنسانية من الورق. ولعلّ أجمل ما في هذه الموجة الجديدة أنها تُذكّرنا بأن المستقبل ليس “إلغاء الورق”، بل إعادة توزيع الذائقة: الورق سيبقى حين نريد طقوسه، والكتاب الإلكتروني سيتقدم حين نريد خفّته ومرونته وسعة ذاكرته… وحين نريد أن تكون المكتبة في الجيب، لا في الجدار.
إذا رغبتَ، أكتب لك نسخة ثانية أكثر قربًا من أسلوب “المقال الشخصي” (بنبرة كاتبٍ يُمسك القلم ويتنقّل بين الفكرة والحكاية)، مع الحفاظ على الفصحى والجاهزية للنشر.








0 التعليقات:
إرسال تعليق