الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يناير 25، 2026

خرائطُ «الكتاب الجديد» كما تعكسها دور النشر العربية : إعداد عبده حقي

 


في الأيام الأخيرة من يناير/كانون الثاني 2026، بدا المشهدُ العربيّ للكتاب كأنه يتحرّك على أكثر من إيقاع في الوقت نفسه: إيقاعُ الرواية التي تُعيد ترتيب الذاكرة الفردية والجماعية، وإيقاعُ الدراسات التي تُدقّق في اللغة والفكر والسياسة، وإيقاعُ المجلات الثقافية والدوريات البحثية التي لا تزال تُصرّ على أن المعرفة ليست “خبرًا سريعًا” بل تراكمٌ طويل النفس. وبين منصّاتٍ ثقافيةٍ تُقدّم “بوصلة أولى” للقارئ مثل باب “صدر حديثًا” في موقع الضفة الثالثة، وأبوابٍ أسبوعية راسخة مثل “كتب” في القدس العربي، وبين دور نشرٍ عربيةٍ عريقة تصنع مزاج المكتبة العربية مثل دار الساقي ودار الآداب—تتشكّل في الخلفية صورةٌ أكثر وضوحًا: نحن أمام موسمٍ كتابيٍّ يضع “الأسئلة الثقيلة” في واجهة الرفّ، دون أن يتخلى عن متعة الحكاية.

على الضفة الثالثة، يلفت النظر أن الجديد لا يُقدَّم بوصفه إعلانًا تجاريًا باردًا، بل بوصفه مدخلًا إلى مزاجٍ ثقافيٍّ راهن: رواياتٌ عربية، ومجلاتٌ عالمية تُعيد تقديم الأدب العربي بلغات أخرى، وكتبُ نقدٍ ولسانيات، وأعمالٌ مسرحية تحمل بصمة محلية واضحة. فمن بين ما نُشر في “صدر حديثًا” خلال النصف الثاني من يناير 2026 رواية «بيت زينب: أغصان لا تنحني» للكاتبة المصرية جيهان سرور (22 يناير 2026)، حيث تُعرض الرواية كفضاءٍ تتشابك فيه الحكايات مثل تشابك أغصان الياسمين، في استعارةٍ تلخّص نزوع السرد العربي المعاصر إلى تحويل “البيت” من جدرانٍ إلى ذاكرةٍ حيّة.

وفي السياق نفسه يبرز حضورُ الكتاب الأكاديمي، مثل دراسة «الرواية وآليات التمازج الفني» التي أنجزتها حنان عثامنة حول تجربة الروائي محمود عيسى موسى (20 يناير 2026)، وهو مؤشرٌ على اتساع مساحة النقد الجامعي العربي وهو يقترب أكثر من المختبر الفني للرواية لا من أحكام القيمة الجاهزة.
كما تظهر أعمالٌ لغوية/لسانية ذات طابع تأسيسي، مثل كتاب «الجذر والأُسْرة المعجمية» الذي يُعيد قراءة نظرية الجذور في العربية (18 يناير 2026)، في تذكيرٍ بأن “معركة المعنى” لا تُحسم في السياسة وحدها، بل في هندسة اللغة أيضًا.

واللافت—خصوصًا للقارئ المغربي—أن موقع الضفة الثالثة لم يُغفل صوتًا مغربيًا واضح الملامح: صدور العمل المسرحي «مثل الظلال تتحرّك الدمى: نصوص مونودراما» للشاعر والكاتب المغربي كمال الإدريسي عن مطابع بلال بفاس (13 يناير 2026). هنا لا يعود “الجديد” مجرد عنوان؛ إنه أيضًا إشارة إلى حيوية نشرٍ محليٍّ مغربي يواصل دفع المسرح المكتوب، وبالذات المونودراما، إلى واجهة القراءة بعد أن ظلّ طويلاً رهين الخشبة أو الصفّ الدراسي.

في المقابل، تقدّم “كتب” في القدس العربي الصورة من زاويةٍ أخرى: زاوية القراءة والتقديم، حيث يتحول الجديد إلى مناسبةٍ لتأملاتٍ نقدية حول الشعر والسرد والترجمة والسير. من أحدث ما ظهر في هذا الباب خلال الساعات/الأيام الأخيرة ملفّاتٌ عن مجموعاتٍ شعرية وقصصية: مثل «الوقت.. خارج الوحدة» للشاعرة المصرية نجاة علي، حيث تُقرأ العزلة بوصفها تجربةً وجودية لا مجرد ظرفٍ اجتماعي، و**«جبل الجليد»** للقاصة الأردنية أماني سليمان داود (17 يناير 2026) بما يوحيه العنوان من سردٍ لا يكتفي بالسطح بل يفتّش عمّا تحت الماء: التشظي، وتعدد الأصوات، وكسر أحادية الحكاية.
وتطلّ كذلك نافذةٌ على الكتاب المترجم/السيري عبر كتاب «أودري هيبورن في باريس» لميغان فريدلاندر (17 يناير 2026)، في إشارةٍ إلى استمرار شهية القارئ العربي لكتب “الوجوه العالمية” حين تُقدّم في إطارٍ ثقافيٍّ لا فضائحيّ.
أما الشعر، فيحضر عبر عناوين مثل «معجم الحواس الناقصة» (10 يناير 2026)، و**«القصيدة المتوحشة»** (10 يناير 2026)، و**«طائر تخطئه الطلقات»** (3 يناير 2026)، لتبدو القصيدة العربية وكأنها تُصرّ—وسط ضجيج السياسة—على صياغة لغتها الخاصة للحزن والخراب والأمل المؤجل.

وعند دار الساقي، تتجسد “الراهنية” في رفٍّ واحد بعنوان صريح: «صدر حديثًا». هنا تتجاور السياسة والفلسفة والرواية والترجمة في سلةٍ واحدة، كأن الدار تقول للقارئ: لا تفصل بين أسئلتك، فالزمن نفسه لا يفصلها. في قائمة الإصدارات الحديثة تظهر كتبٌ مثل «قرنٌ من الاشتراكية» لحازم صاغية، و**«الإقطاع التكنولوجي»** ليانيس فاروفاكيس، حيث ينتقل النقاش من اقتصاد المصانع إلى اقتصاد المنصات، ومن الدولة الكلاسيكية إلى “سادة الخوارزميات”.
ويبرز كذلك «بَعد السماء الأخيرة» لإدوارد سعيد ضمن الجديد، وهو عنوانٌ يلتقط—حتى قبل فتحه—توتر العلاقة بين الصورة والهوية والمنفى، وكأنه يصلح ليكون مرآةً لما تعيشه المنطقة من إعادة تعريف الذات تحت ضغط الحروب والإعلام والتاريخ.
وعلى خط الرواية العربية، تحضر رواية «نَدَم إبليس» لرشيد الضعيف ضمن الإصدارات الحديثة، بما يوحي بأن الرواية اللبنانية/العربية ما زالت تُفضّل مقاربة الأسئلة الأخلاقية من داخل “الملتبس” لا من منصة الوعظ.
وإلى جانب ذلك تظهر كتبٌ ذات طابع بحثي/سياسي مثل «المساعدات الأمنية في…» لهشام العلوي وروبرت سبرينغبورغ، بما يعكس استمرار دار الساقي في التوازن بين الأدب بوصفه حساسيةً، والمعرفة السياسية بوصفها أداةَ فهم.

أما دار الآداب، فتبدو قائمتها كخريطةٍ للذائقة الروائية العربية وهي تتقاطع مع الترجمة العالمية. في “كل الإصدارات” يبرز عنوان مثل «فراشات مريم الجليلية» للكاتب باسم خندقجي، و**«غزة الناجية الوحيدة»** لغادة الخوري، و**«غريب الديار»** لواسيني الأعرج، إلى جانب أعمال مترجمة وأسماء عالمية مثل إيزابيل ألليندي وهاروكي موراكامي وأليف شافاك وإيلينا فيرانتي ضمن القائمة، ما يعكس رؤية دار الآداب القديمة-المتجددة: الرواية العربية لا تُقدَّم بوصفها جزيرةً معزولة، بل بوصفها جزءًا من أرخبيل سردي عالمي يتبادل العدوى الجمالية والأسئلة الكبرى.
والدلالة الأكثر مباشرة على “الآن” هي خانة «كتب صدرت حديثاً» التي تُظهر مجموعة من العناوين في المقدمة مثل «مشقة العادي» لساري موسى، و**«الريح تعرف اسمي»** (ألليندي)، و**«خلوة النقص»** لعالية ممدوح، و**«غزة الناجية الوحيدة»، و«حائكات الأزل»** لبسمة الخطيب—وهي عناوين توحي بأن الهمّ العربي الراهن يتوزع بين “المعيشي اليومي” و“الجرح العام”، بين الفردي والوطني، وبين الواقعي والتخييلي.

إذا أردنا تلخيص “المشترك العميق” بين هذه النوافذ الأربع—الضفة الثالثة، والقدس العربي، ودار الساقي، ودار الآداب—فهو أن الكتاب العربي في مطلع 2026 لا يبدو في حالة ترفٍ أو زينةٍ ثقافية، بل في حالة اشتغالٍ مباشر على الأسئلة التي تحاصر الإنسان العربي: معنى الوطن حين يصير خبرًا يوميًا، معنى اللغة حين تتعرض للابتذال، ومعنى الحداثة حين تتحول التكنولوجيا إلى شكلٍ جديد من الإقطاع. وفي المغرب، حيث تشتد الحاجة إلى ربط الثقافة بحياة الناس لا بمهرجانات العابر، تأتي إشارات مثل صدور عملٍ مسرحي من فاس لتذكّر بأن “المركز” ليس مدينة واحدة، وأن الكتاب يمكن أن يولد في الهامش ثم يصنع لنفسه ضوءًا.

هكذا، لا يعود السؤال: ما الجديد؟ بل: كيف يصير “الجديد” علامةً على مجتمعٍ يريد أن يفهم نفسه وهو يتغير بسرعة؟ والجواب، كما يبدو من رفوف هذه الأيام، أن دور النشر العربية والمنابر الثقافية—رغم الأزمات—ما تزال قادرة على إنتاج لحظة قراءة: لحظة تقول للقارئ إن العالم يتشقق، نعم… لكن الكلمات ما زالت قادرة على لملمة الشظايا، أو على الأقل تسمية الألم باسمه.


0 التعليقات: