الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يناير 25، 2026

قراءة نقدية في كتاب The Happiness Effect – Donna Freitas: عبده حقي

 


في كتابها «The Happiness Effect» تقترب دونا فريتاس من مفهوم السعادة لا باعتباره غاية إنسانية نبيلة فحسب، بل بوصفه ظاهرة ثقافية حديثة، ذات آثار جانبية خفية، لا تقل خطورة عن غياب السعادة نفسها. الكتاب لا يرفع شعار التمرد، ولا يكتب بلغة الغضب، لكنه يفكك بهدوء تلك الفكرة المهيمنة التي تقول لنا، في كل مكان تقريباً، إن الإنسان الجيد هو الإنسان السعيد دائماً، أو الذي يبدو كذلك على الأقل.

تنطلق فريتاس من ملاحظة بسيطة، لكنها مقلقة: لم يسبق أن تحدث العالم عن السعادة بهذا القدر، ومع ذلك لم يسبق أن بدا هذا العدد من البشر مرتبكاً، قلقاً، ومثقلاً بالإحساس بالنقص. هنا يظهر التناقض المركزي الذي يبني عليه الكتاب أطروحته: كيف يمكن لمجتمع يحتفي بالسعادة ليل نهار أن ينتج هذا الكم من التوتر الداخلي والخوف الصامت؟

تلاحظ الكاتبة أن السعادة، في السياق المعاصر، لم تعد تجربة شخصية، بل تحولت إلى معيار أخلاقي غير معلن. المطلوب ليس أن تكون سعيداً فحسب، بل أن تُظهر سعادتك، وأن تدير مشاعرك بطريقة لا تزعج الآخرين، ولا تُقلق النظام الاجتماعي العام. الحزن، في هذا الإطار، يصبح خللاً يحتاج إلى تصحيح، لا حالة إنسانية تستحق الفهم.

في الجامعات، كما تشير فريتاس، يُطلب من الطلبة أن يكونوا متحمسين دائماً، متفائلين بالمستقبل، واثقين من اختياراتهم، حتى وهم يواجهون عالماً هشاً، مليئاً بعدم اليقين. في أماكن العمل، تُقاس الجدارة أحياناً بقدرة الفرد على الحفاظ على مزاج إيجابي، مهما كانت الضغوط. أما في الفضاء الرقمي، فقد تحولت السعادة إلى عرض دائم، إلى صور، وعبارات قصيرة، ولحظات منتقاة بعناية، تخفي أكثر مما تُظهر.

لا تهاجم فريتاس هذا الواقع من موقع أخلاقي متعالٍ، بل من موقع إنساني متعاطف. هي لا تقول إن السعادة سيئة، بل تحذر من اختزال الحياة فيها. فحين تُختزل التجربة الإنسانية في مشاعر إيجابية فقط، يُقصى الألم، ويُهمَّش الشك، ويُنظر إلى الفشل كوصمة لا كتجربة تعلم.

اللافت في الكتاب هو دفاعه الصريح عن الحزن بوصفه جزءاً من النضج. الحزن، في نظر فريتاس، ليس عطباً نفسياً دائماً، بل لغة داخلية، تخبرنا بأن شيئاً ما يستحق التوقف عنده. المجتمعات التي لا تمنح الحزن حقه، تقول الكاتبة ضمناً، تُنتج أفراداً غير قادرين على التعاطف الحقيقي، لأن التعاطف يبدأ بالاعتراف بألم الذات قبل فهم ألم الآخرين.

تنتقد فريتاس ما تسميه بثقافة “الإيجابية القسرية”، حيث يُجبر الأفراد على تبني خطاب تفاؤلي حتى في لحظات الانكسار. هذا النوع من الخطاب لا يخفف الألم، بل يدفعه إلى الداخل، حيث يتحول إلى شعور بالذنب: ذنب لأننا لسنا سعداء بما يكفي، أو لأننا لا نحقق الصورة المثالية التي يُفترض بنا تمثيلها.

وتكمن خطورة هذا الأثر، كما توضح الكاتبة، في أنه غير مرئي في الغالب. لا يُفرض بالقوة، ولا عبر القوانين، بل عبر التوقعات الاجتماعية، والنصائح الجاهزة، والرسائل الثقافية المتكررة. إنه نوع من الانضباط العاطفي، حيث يتعلم الفرد، منذ وقت مبكر، ما الذي يجب أن يشعر به، وما الذي ينبغي إخفاؤه.

لغة الكتاب بعيدة عن التهويل، أقرب إلى التأمل الهادئ. تعتمد فريتاس على أمثلة من الحياة اليومية، وعلى شهادات واقعية، لتُظهر كيف يُفرغ مفهوم السعادة من معناه حين يتحول إلى واجب. فهي ترى أن السعادة الحقيقية لا يمكن أن تُفرض، ولا أن تُقاس بمؤشرات خارجية، لأنها بطبيعتها تجربة داخلية متغيرة، مرتبطة بالسياق، والزمن، والذات.

في الصفحات الأخيرة، لا تقدم الكاتبة حلولاً جاهزة، ولا تدّعي امتلاك وصفة للخلاص. ما تفعله هو إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة، لكنها منسية: للإنسان الحق في أن يكون معقداً. الحق في أن يفرح دون سبب واضح، وأن يحزن دون اعتذار، وأن يعيش مراحل من الشك دون أن يشعر بأنه خرج عن المسار الصحيح.

يمكن القول إن «The Happiness Effect» هو كتاب يدعو إلى استعادة التوازن بين الفرح والألم، لا إلى تمجيد أحدهما على حساب الآخر. إنه نص يذكّرنا بأن السعادة، حين تتحول إلى إلزام اجتماعي، تفقد قدرتها على الشفاء، وتصبح عبئاً جديداً يُضاف إلى أعباء الحياة.

في عالم يطالبنا باستمرار بأن نكون أفضل، وأكثر إشراقاً، وأكثر رضا، يأتي هذا الكتاب ليهمس، لا ليصرخ: ليس عليك أن تكون سعيداً دائماً لكي تكون إنساناً كاملاً.

0 التعليقات: