في صباحٍ ثقافيٍّ تُحاول فيه العواصم أن تُرمِّم ما تُفسده السياسة والغلاء وضجيج “الترند”، يبدو أنّ الفنّ—في المغرب والعالم العربي وإفريقيا—يعود إلى لعب دورٍ أشبه بجهازِ مناعةٍ جماعي: يلتقط القلقَ اليوميَّ ويُحوِّله إلى عروضٍ ومتاحف وكتبٍ ومهرجاناتٍ تُعيد ترتيب الحساسية العامة. وخلال الأيام القليلة الماضية (نهاية يناير 2026)، تراكبت إشاراتٌ متفرقة لكنها لافتة: ثقافةُ مدينةٍ تُحاور اقتصادها، ومواهبُ شبابٍ تُطالب بمسرحٍ وحاضنة، وكتبٌ تُنقذ الذاكرة من “سرعة الاستهلاك”، ومعارضُ تُعيد للتصميم الإفريقي حقَّه في أن يُرى داخل القارة لا خارجها.
في المغرب، تتقدّم “المدينة” نفسها كموضوعٍ للفن وفضائه في آنٍ واحد. الدار البيضاء مثلاً تُراهن على تحويل الثقافة إلى ورشةٍ يومية لا إلى موسمٍ عابر: جماعة المدينة أعلنت عودة مهرجان “مواهب الدار البيضاء” في نسخته الثانية، بوصفه منصةً لإبراز الطاقات الصاعدة وتوسيع حقّ الشباب في التعبير الفني داخل العاصمة الاقتصادية. وفي الاتجاه نفسه، يشتغل مهرجان “تراثية البيضاء” على استعادة الذاكرة الشعبية لا كحنينٍ فولكلوري، بل كجزءٍ من اقتصادٍ إبداعيٍّ يُمكنه أن يُنقذ الصناعة الثقافية من الهشاشة، وفق ما جاء في حديثٍ صحافي عن استراتيجية المهرجان ورهانه على الهوية باعتبارها موردًا لا عبئًا.
وعلى مستوى الفنون البصرية، يواصل الرباطُ لعبَ دور “الواجهة الهادئة” التي تُراكم الرموز بلا صخب. من العلامات القريبة أنّ المؤسسة الوطنية للمتاحف كشفت في ساحة متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر عن منحوتة “بالوما”، في خطوةٍ تُؤكّد فكرة إدماج الفن في الفضاء الحضري وجعل المتحف يمتدّ خارج جدرانه إلى الشارع والساحة والمرور اليومي. هذا النوع من المبادرات يلتقط تحوّلًا مهمًّا: لم يعد الفنّ حدثًا للنخبة فحسب، بل “أثاثًا بصريًّا” للمدينة، يُربّي العينَ على التذوّق ويُقاوم قسوة الإسمنت.
وإذا كانت الفنون للكبار تجد مسالكها بين المتاحف والمهرجانات، فإنّ المشهد يلتفت أيضًا إلى “الفنّ المبكر” بوصفه استثمارًا في الحسّ الجمالي للأجيال الجديدة. المعهد الفرنسي بالمغرب أعلن عودة مهرجان الصغار “Comme des Grands” من 17 يناير إلى 15 فبراير 2026، متنقلًا بين الدار البيضاء ومراكش وطنجة، ومقترحًا عروضًا وتجارب حسّية للأطفال من عمرٍ مبكر جدًا. دلالة ذلك لا تكمن في اللطف وحده، بل في الاعتراف بأنّ الذائقة تُصنع قبل أن تُدرَّس، وأنّ الثقافة ليست خطاباتٍ فوقية بل خبرةٌ تُعاش.
على مستوى السياسات الثقافية، يبرز نقاشٌ مغربيٌّ حاضرٌ بقوة: كيف تُصبح المهرجانات رافعةً اقتصادية لا عبئًا على المال العام؟ في هذا السياق جاءت تصريحات وزير الشباب والثقافة والتواصل التي تربط المهرجانات بخلق دينامية اقتصادية وبملفّات مثل القاعات السينمائية ونماذجها الاقتصادية ودور المركز السينمائي. وبين سطور هذا النقاش يظهر سؤالٌ عملي: هل تتقدّم الثقافة عندنا كمجرد “مصاريف ترفيه”، أم كقطاعٍ إنتاجيٍّ يخلق الشغل ويحمي صورة البلد ويُنعش المدن؟
في العالم العربي، تتخذ الحركة الثقافية شكل “مشاريع كبرى” تُزاوج بين الفنّ والهوية وإعادة تشكيل الصورة الدولية. في السعودية مثلًا، يتواصل “AlUla Arts Festival 2026” حتى 14 فبراير، وهو يقدّم نموذجًا لمهرجانٍ يتحوّل إلى متحفٍ مفتوح في الصحراء، يجمع المعارض والتركيبات الفنية والحوارات حول علاقة الإنسان بالأرض والطبيعة، ضمن سرديةٍ ثقافية مرتبطة بتحولات رؤية 2030. وفي السياق ذاته، أعلنت قائمة المرشحين لنسخة 2026 من “Ithra Art Prize” بما يشمل أسماء من الكويت وسوريا ومصر والأردن وفلسطين، مع منح دعم إنتاجي للأعمال وعرضها لاحقًا في الظهران. هذا النوع من الجوائز يرفع سقف المنافسة ويمنح الفنان العربي مساحة عملٍ لا تعتمد فقط على “التكليفات السريعة”، بل على تطوير مشاريع تُحاور العالم.
وفي الإمارات، اختُتمت قبل أيام فعاليات “مهرجان الظفرة للكتاب 2026” (19 إلى 25 يناير)، مع تركيزٍ لافت على ربط الكتاب بتجارب فنية واعدة، وكأنّ الرسالة تقول إنّ القراءة ليست معزولة عن التشكيل والموسيقى والورشات، بل هي قلبُ منظومةٍ إبداعية واحدة. أما في مصر، فظلّت فكرة “عيد الثقافة” حاضرة مطلع الشهر عبر احتفالية تكريم رموز الإبداع في مجالات الأدب والفنون والمسرح والموسيقى والسينما، بما يعكس استمرار الرهان على الرمزية المؤسسية للثقافة في لحظة عربية مرتبكة.
إفريقيًا، تبدو القارة كأنها تُعيد تعريف مركز ثقلها الثقافي من الداخل، لا عبر “تصدير المواهب” فقط. مثالٌ معبّر: معرض “Design in West Africa: Unity in Multiplicity” في قصر لومي بتوغو، الممتد إلى 15 مارس، حيث تُعرض أعمال 23 مصممًا من دول غرب إفريقيا، في لحظة “عودة للبيت” لتصميمٍ كان يُحتفى به عالميًا أكثر مما يُعرض قارّيًا. وفي إثيوبيا، نالت عملية ترميم “Africa Hall” في أديس أبابا جائزة WMF/Knoll للحداثة لعام 2026، وهو حدثٌ يضع العمارة الحديثة في قلب السردية الإفريقية: مبانٍ ليست حجارة فقط، بل ذاكرة سياسية ورمزية للوحدة الإفريقية والدبلوماسية.
وفي الأدب، تتحرك نيجيريا عبر مؤسساتها وجوائزها لترميم “سلسلة الكتاب” من النشر إلى التوزيع، مع الإشارة إلى دورة “Nigeria Prize for Literature” وما يرتبط بها من توقعات بأن يكون 2026 عامًا للشعر ضمن نظام التناوب بين الأجناس الأدبية. وفي السينما، يلمع حضور إفريقيا على منصات دولية كبرى عبر أخبار اختيار أفلام إفريقية ضمن سباق “الدب الذهبي” في مهرجان برلين 2026، في إشارة إلى أنّ القارة لا تُنتج “قصصًا محلية” فقط، بل سردياتٍ قادرة على منافسة المركز العالمي للسينما.
الخلاصة التي تُكتب من هذه الشذرات: الثقافة اليوم—في المغرب والعالم العربي وإفريقيا—لا تعود باعتبارها ترفًا، بل باعتبارها “لغةَ إدارة الحياة” حين تضيق لغاتٌ أخرى. المهرجان صار ورشة اقتصادٍ وإبداع، والمتحف صار جزءًا من الشارع، والكتاب صار فعلًا جماعيًا لا عادةً فردية، والتصميم الإفريقي يُطالب بمكانه داخل القارة، والسينما الإفريقية تُفاوض على صورتها في المحافل الكبرى. وبين كل ذلك، يظل السؤال مفتوحًا: هل نملك الشجاعة لنُعامل الثقافة كأولوية تنموية—لا كزينةٍ موسمية—ونضع لها بنيةً تمويليةً وتعليميةً وإعلاميةً تليق بما تعد به من “معنى” في زمنٍ يتآكل فيه المعنى بسرعة؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق