الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، يناير 29، 2026

تشريح الخطاب الإعلامي بعد مقتل هدى شعراوي: إعداد عبده حقي

 


لم يكن خبر مقتل الفنانة السورية هدى شعراوي داخل منزلها في دمشق صباح التاسع والعشرين من يناير 2026 خبراً عادياً في روزنامة الأخبار العربية. فمنذ الساعات الأولى بعد الإعلان الرسمي، خرج الخبر من إطاره الفني الضيق ليتحوّل إلى قضية رأي عام، تتقاطع فيها الدراما التلفزيونية مع الجريمة الجنائية، والذاكرة الجماعية مع منطق العناوين العاجلة. لقد بدت التغطية الإعلامية، في يومها الأول، وكأنها اختبار حقيقي لكيفية تعاطي الصحافة العربية مع حدث يجمع بين الشهرة والصدمة والغموض.

أول ما يلفت الانتباه في اليوم الأول للتغطية هو موقع الخبر داخل المنصات الكبرى. كثير من المواقع لم تضعه في خانة الثقافة أو الفن فقط، بل قدّمته بصيغة “عاجل”، مستخدمة لغة قريبة من النشرات الأمنية. هذا الاختيار التحريري لم يكن بريئاً؛ فهو يعكس إدراك غرف الأخبار أن الجريمة، بحكم طبيعتها ومكانها وهوية الضحية، تتجاوز منطق النعي الفني إلى منطق الحدث العام الذي يهمّ شريحة واسعة من القرّاء.

اللافت أيضاً أن أغلب العناوين بدأت بالفعل لا بالاسم، بل بالصفة: “بطلة باب الحارة” أو “أم زكي”. هذه الصيغة لم تكن مجرد تبسيط لغوي، بل كانت مفتاح الانتشار. فالإعلام يدرك أن الذاكرة البصرية للمشاهد العربي ترتبط بالشخصية أكثر من الاسم الحقيقي، وأن استدعاء العمل الدرامي الأشهر يضمن وصول الخبر فوراً إلى جمهور عريض، حتى أولئك الذين لا يتابعون أخبار الفن عادة.

في اليوم الأول، لعب العنوان دوراً مركزياً في تشكيل فهم الجمهور للجريمة. عناوين من قبيل: “العثور على الفنانة مقتولة داخل منزلها” أو “مقتل بطلة باب الحارة في ظروف غامضة” اختزلت القصة في ثلاث كلمات مفتاحية: البيت، القتل، الغموض. هذه المفردات الثلاث صنعت سردية مكتملة العناصر، قابلة للتداول والمشاركة السريعة على شبكات التواصل.

لكن الاختلاف ظهر في درجة الإثارة. بعض المواقع اكتفى بوصف الوقائع الأساسية ونقل البيانات الرسمية، بينما ذهبت أخرى إلى عناوين أكثر حدّة، ملوّحة بتفاصيل عن أداة الجريمة أو الاشتباه بالخادمة. هذا التفاوت كشف مبكراً عن انقسام إعلامي تقليدي: بين صحافة تحاول التريّث والتحقق، وصحافة رقمية تميل إلى شدّ انتباه القارئ بأي معلومة أولية، حتى لو كانت غير مكتملة.

في الساعات الأولى، تنافست مصادر الخبر على تشكيل الرواية. من جهة، كان هناك البيان الرسمي لوزارة الداخلية السورية، بلغة إجرائية واضحة: وقوع الجريمة، فتح تحقيق، جمع أدلة، وعدم استباق النتائج. هذه اللغة أعطت انطباعاً بالتحفّظ والمسؤولية، وهدفت إلى ضبط الإيقاع الإعلامي ومنع الانزلاق نحو الشائعات.

في المقابل، ظهرت بسرعة روايات منسوبة إلى “جار” أو “مصدر مقرّب”، تتحدث عن توقيت الجريمة وطريقتها، بل وعن اختفاء الخادمة. هذه الروايات، رغم التحذير المتكرر من تداولها، وجدت طريقها إلى المتون الصحفية والعناوين الفرعية. وهنا برز التناقض الكلاسيكي في التغطيات الجنائية: الإعلام يطالب بعدم الشائعات، لكنه في الوقت نفسه يعيد إنتاجها بصيغة “نُقل عن”.

منذ اليوم الأول، تحوّلت الخادمة إلى شخصية محورية في السرد الإعلامي. مجرد الإشارة إلى “اختفائها” كانت كافية لتوجيه مخيّلة الجمهور نحو سيناريو جاهز: جريمة من الداخل. هذا التركيز لم يكن اعتباطياً، بل يخدم منطق القصة الصحفية السريعة التي تبحث عن إجابة فورية لسؤال القارئ: كيف قُتلت فنانة مسنّة داخل بيتها؟

غير أن هذا التمركز حول شخص واحد، قبل صدور نتائج التحقيق، يعكس مشكلة أعمق في التغطية العربية للجرائم: الرغبة في الخاتمة السريعة. الإعلام الرقمي لا يحبّ الفراغات، والجمهور لا يصبر على “لا نعلم بعد”. وهكذا تُملأ الفجوات بسيناريوهات قابلة للتصديق، لكنها قد تتحول لاحقاً إلى عبء أخلاقي ومهني إذا تغيّرت المعطيات.

لغوياً، انقسمت التغطية في اليوم الأول إلى مستويين. المستوى الأول نَعَويّ، يستعيد مسيرة الفنانة وأدوارها وتأثيرها في الدراما السورية، ويكتب عن “رحيل وجه مألوف” و”خسارة للدراما العربية”. هذا الخطاب كان حاضراً بقوة في الصحف التي تميل إلى المزج بين الخبر والتحليل الثقافي.

أما المستوى الثاني فكان تحقيقياً، يستخدم مفردات مثل “جريمة”، “أداة حادة”، “تحقيق موسع”، “ملاحقة أمنية”. هذا الخطاب أعاد تعريف الفنانة لا بوصفها فاعلة ثقافية فقط، بل بوصفها ضحية. وفي هذا الانتقال من “الرمز الفني” إلى “الضحية الجنائية”، تتجلى قسوة الخبر وتأثيره النفسي على الجمهور.

في اليوم الأول، غلب على ردود الفعل الإعلامية خطاب الحزن والاستنكار. نُقلت بيانات النعي، وتصريحات زملاء في الوسط الفني، وتعليقات جمهور عبّر عن صدمته من “نهاية قاسية” لفنانة ارتبطت بذاكرة البيوت العربية. لكن اللافت أن كثيراً من هذه الردود تجاوزت التعاطف إلى المطالبة بالعدالة السريعة، في تعبير واضح عن عدم الثقة في طول مسار التحقيقات أو غموض نتائجها.

في الوقت نفسه، بدأت تظهر أسئلة اجتماعية أوسع في بعض المقالات التحليلية: أمن كبار السن، حماية الشخصيات العامة، وحدود العلاقة بين العمل المنزلي والرقابة القانونية. هذه الأسئلة، وإن لم تتصدّر العناوين، فإنها تشير إلى أن الجريمة بدأت تُقرأ بوصفها عرضاً لمشكلة أعمق، لا مجرد حادث فردي.

السبب ليس الشهرة وحدها، ولا العنف وحده، بل اجتماعهما داخل فضاء خاص: البيت. بيت الفنانة تحوّل في الخطاب الإعلامي إلى مسرح جريمة، والبيت في المخيال العربي رمز للأمان. هذا الانتهاك المزدوج—انتهاك الجسد وانتهاك البيت—هو ما جعل الخبر يتقدّم على غيره في اليوم الأول، ويتحوّل إلى قصة جامعة بين الفن والأمن والمجتمع.

في اليوم الأول بعد الإعلان الرسمي، نجح الإعلام العربي في جعل مقتل هدى شعراوي خبراً مركزياً، لكنه في المقابل كشف عن هشاشة التوازن بين السرعة والتحقق، وبين حق الجمهور في المعرفة وحق الضحية في العدالة والكرامة. لقد كانت التغطية مرآة لزمن رقمي يريد كل شيء الآن، حتى الحقيقة الكاملة. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً ليس فقط: من قتل هدى شعراوي؟ بل أيضاً: كيف يمكن للإعلام أن يروي الجريمة دون أن يحوّلها إلى استعراض؟


0 التعليقات: