الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، يناير 29، 2026

الشعبوية الاقتصادية وصناعة الوهم: عبده حقي

 


لم يعد الجدل حول المشاريع الكبرى مجرد نقاش تقني أو اقتصادي، بل تحوّل إلى ساحة صراع أيديولوجي وأمني، تختلط فيها لغة التخوين بالشعبوية، وتُستعمل فيها “السيادة” كعصا غليظة لإسكات أي صوت نقدي. من هنا تبرز القضايا المرتبطة بمشروع غار جبيلات بوصفها نموذجًا صارخًا لهذا الانزلاق: مشروع ضخم، مكلف، ملتبس، تحيط به أسئلة مشروعة، لكن مجرد طرحها يكفي – في الخطاب الرسمي وشبه الرسمي – لاتهام أصحابها بخدمة “المخزن” أو التآمر على الدولة.

القول إن “انتقاد غار جبيلات هو خدمة للمخزن” ليس مجرد رأي متشنج، بل هو بناء دعائي كامل، يقوم على تحويل أي مساءلة عقلانية إلى جريمة سياسية. هكذا يتم القفز فوق الأرقام، والوقائع، ودراسات الجدوى، ليُختزل النقاش في معادلة بسيطة وخطيرة: إمّا أن تصفق للمشروع، أو تُصنَّف في خانة الأعداء.

هذا المنطق يعكس خوفًا عميقًا من النقاش العمومي الحقيقي. فمشروع بحجم غار جبيلات، يفترض فيه أن يكون مفتوحًا للنقد والتقييم، خاصة في بلد يعاني من اختلالات هيكلية في الاقتصاد، واعتماد مفرط على الريع، وهشاشة في التخطيط طويل المدى. لكن بدل ذلك، جرى تحويل المشروع إلى رمز سيادي، ومن ثمّ إلى “تابو” سياسي، لا يجوز الاقتراب منه إلا بالتمجيد.

ضمن هذا السياق، يبرز مشروع قطار الصحراء، الذي قُدِّرت كلفته بحوالي سبعة مليارات دولار، كأحد أكثر الرهانات إثارة للجدل. فالمشروع، من حيث المبدأ، يبدو طموحًا: ربط مناجم الحديد في أقصى الجنوب بالشمال الصناعي والموانئ. لكن السؤال الجوهري ليس في الحلم، بل في التوقيت، والكلفة، والقدرة على الاستدامة.

سبعة مليارات دولار في اقتصاد يواجه ضغوطًا اجتماعية متزايدة، وتآكلًا في القدرة الشرائية، ونقصًا في الاستثمار المنتج، ليست رقمًا عابرًا. إنها مقامرة سياسية واقتصادية، تُقام في مناخ يفتقر إلى الشفافية، وتُدار بقرارات فوقية، دون نقاش برلماني حقيقي، أو مشاركة خبراء مستقلين.

الأخطر أن هذا المشروع يُسوَّق باعتباره “فتحًا استراتيجيًا”، بينما تغيب الإجابة عن أسئلة أساسية: ما حجم الطلب الحقيقي؟ ما كلفة الصيانة في بيئة صحراوية قاسية؟ ما الجدوى إذا ظلت الصناعة التحويلية ضعيفة؟ هنا بالضبط يصبح القطار رمزًا لا للتنمية، بل لسياسة الهروب إلى الأمام.

أما تخصيص خمسة مليارات دولار لتوفير الماء لمشروع غار جبيلات، فيفتح بابًا آخر للنقاش، لا يقل حساسية. فالماء في الجزائر ليس مسألة تقنية فقط، بل قضية وجودية، تمس حياة ملايين المواطنين. ومع ذلك، يُطرح المشروع وكأن الموارد المائية لا حدود لها، وكأن تحويلها نحو منجم بعيد هو أولوية مطلقة، حتى لو جاء ذلك على حساب المدن والقرى العطشى.

وصف هذا التوجه بأنه “نزوة نرجسية” ليس مبالغة خطابية بقدر ما هو توصيف لحالة سياسية ترى في المشاريع العملاقة وسيلة لبناء المجد الشخصي، لا أداة لتحسين شروط عيش المواطنين. فالمنطق السائد هنا لا ينطلق من سؤال: “ما الذي يحتاجه الجزائري اليوم؟”، بل من سؤال آخر: “كيف نترك بصمتنا التاريخية، مهما كانت الكلفة؟”.

ما يجمع بين هذه المشاريع الثلاثة ليس فقط حجم الإنفاق، بل الطريقة التي تُقدَّم بها للرأي العام. نحن أمام خطاب شعبوي، يعتمد على لغة التحدي، واستدعاء الأعداء الخارجيين، وتضخيم الرمزية الوطنية، مقابل تهميش العقلانية الاقتصادية. كل مشروع يتحول إلى “معركة سيادة”، وكل منتقد يصبح “عميلًا”، وكل رقم يُقدَّم بوصفه استثمارًا في المستقبل، حتى لو كان عبئًا على الأجيال القادمة.

في هذا المناخ، تُصنع الأوهام بسهولة: وهم التحول إلى قوة صناعية كبرى بين عشية وضحاها، وهم تجاوز الأزمات الهيكلية بضربة مشروع واحد، ووهم أن الإنفاق الضخم بحد ذاته دليل على القوة. لكن التاريخ الاقتصادي، في الجزائر وغيرها، يعلّمنا أن المشاريع الكبرى دون حوكمة، ودون شفافية، ودون محاسبة، غالبًا ما تنتهي إلى أطلال مكلفة.

الدرس الأهم في كل هذا السجال هو أن النقد ليس خيانة، وأن مساءلة السلطة حول خياراتها الاقتصادية ليست خدمة لأي طرف خارجي، بل هي شرط أساسي لبناء دولة قوية. تحويل غار جبيلات إلى مقدّس سياسي، وربط قطار الصحراء والماء بمنطق الزعامة الفردية، لا يخدم الجزائر، بل يعمّق أزمتها.

الدول لا تُبنى بالهوس ولا بالقمار، بل بالتخطيط، والإنصات، واحترام عقول مواطنيها. أما المشاريع العملاقة، فهي إما أن تكون رافعة تنمية حقيقية، أو تتحول – كما يخشى كثيرون – إلى شواهد جديدة على كلفة الوهم حين يُدار الاقتصاد بعقلية الشعارات لا بعقلية الأرقام.


0 التعليقات: