في صباح الأربعاء 28 يناير 2026 تبدو خريطة الثقافة والفنون—من المغرب إلى العالم العربي وإفريقيا—مثل فسيفساء تتحرّك في وقت واحد: كتب تُعلن عن مواسمها المقبلة، ومهرجانات تفتح أبوابها أو تُقفل دوراتها، ونقاشات فكرية تُعيد طرح سؤال “ما جدوى الفن الآن؟” وسط تحولات اجتماعية وتكنولوجية سريعة.
في المغرب، العنوان الأبرز هو التحضير المبكر لموسم الكتاب. فقد أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل تنظيم الدورة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط في الفترة ما بين 30 أبريل و10 ماي 2026 بفضاء OLM السويسي. الإعلان ليس خبراً إجرائياً فقط، بل مؤشر على أن “الكتاب” يعود ليُقدَّم باعتباره حدثاً وطنياً جامعاً، ببرمجة موسعة ورهانات تتجاوز البيع والشراء نحو الدبلوماسية الثقافية وصناعة القراءة.
وبموازاة ذلك، تتحرك “الأجندة الثقافية” داخل المدن المغربية كنبض يومي: جولات موسيقية وبرامج عروض تتوزع بين أكثر من مدينة، بما يؤكد أن المشهد لا يتركز في محور واحد. أجندة SNRT الثقافية، مثلاً، تشير إلى محطة جولة فنية لفرقة Bab L’ Bluz تمتد حتى 28 يناير 2026 عبر مدن متعددة، ما يعكس صعود عروض تجمع بين الروح المحلية واللغة العالمية للموسيقى البديلة.
وفي الدار البيضاء تحديداً، انتهت قبل أيام الدورة الثانية لمهرجان “مواهب الدار البيضاء” (CASA WE ART 2025) بحفل احتفائي وتكريم للفائزين، مع تركيز واضح على فكرة “المنصة” التي تلتقط الطاقات الشابة وتمنحها شرعية الظهور. الرسالة هنا: المدينة الكبرى لا تكتفي بالاستهلاك الفني، بل تحاول أن تنتج أسماء جديدة وتخلق تقاليد سنوية للعرض والتتويج.
وحتى النقاشات الفكرية تشق طريقها ضمن هذا الحراك: هسبريس تتحدث عن نقاش فلسفي في أربع مدن مغربية، وعن فعاليات تلامس أسئلة التحرر والمعنى، بما يذكّر بأن الثقافة ليست حفلات ومعارض فقط، بل أيضاً “مختبر أفكار” يتتبع التحولات العميقة في المجتمع. كما تبرز أخبار SNRT حول مشروع لتحديث الإطار القانوني للمدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء، وهو خبر يبدو تقنياً لكنه في العمق يمسّ مستقبل التكوين الفني وكيف سيُدار تعليم الفن ومؤسساته.
أما في العالم العربي، فـ“الموسم الكبير” يتركز هذه الأيام على معارض الكتب والاحتفال بالرموز. تغطيات صحفية عربية تتوقف عند زخم الفعاليات المصاحبة لـمعرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث تتجاور الندوات مع التكريمات، وتتحول المعارض إلى ساحات حوار حول الرواية والذاكرة وأسئلة القراءة الجديدة. وفي السياق نفسه تظهر البرامج اليومية المكثفة للفعاليات داخل المعرض، بما يؤكد أن الكتاب هناك ليس ترفاً بل “حدثاً اجتماعياً” يعيد إنتاج صورة الثقافة في المجال العام.
ومن جهة أخرى، تتصدر السعودية واجهة الفن الإقليمي عبر AlUla Arts Festival 2026 بوصفه “متحفاً مفتوحاً” في الصحراء، مع معرض “Arduna” وشراكات دولية، وعودة Desert X AlUla الذي يحوّل المكان إلى تجربة بصرية وتأملية في علاقة الإنسان بالأرض. اللافت هنا ليس فقط الضخامة التنظيمية، بل الطريقة التي يجري بها تسويق الفن كجزء من اقتصاد التجربة والسياحة الثقافية—أي أن الفن صار أيضاً “لغة استثمار” وواجهة هوية في آن.
وفي إفريقيا، تتسع الدائرة خارج المهرجانات الموسمية إلى “سردية جديدة” للمعارض والتصميم والترميم المعماري. من أبرز الأخبار معرض “Design in West Africa: Unity in Multiplicity” في Palais de Lomé بتوغو، الذي يجمع عشرات المصممين من بلدان غرب إفريقيا ويعيد الاعتبار لفكرة أن التصميم الإفريقي ليس هامشاً تابعاً للعرض الأوروبي، بل يستطيع أن يكون في موطنه منصة مركزية تُعرّف بذائقة المنطقة وخاماتها ومخيالها.
ومن شرق القارة، يلفت خبر فوز مشروع ترميم Africa Hall في أديس أبابا بجائزة WMF/Knoll Modernism Prize 2026 النظر إلى نوع آخر من “الفن”: فن الحفاظ على الذاكرة المادية. فالعمارة هنا ليست حجراً، بل تاريخ سياسي وثقافي مرتبط بفكرة الوحدة الإفريقية ومؤسساتها، وإعادة تأهيل المبنى تعني—رمزياً—صيانة جزء من السردية الإفريقية الحديثة.
وفي جنوب القارة، تستمر حركة المعارض وافتتاحاتها بوتيرة يومية، كما يظهر في روزنامات معارض الفن بجنوب إفريقيا التي ترصد افتتاحات جديدة في أواخر يناير (28–29 يناير) وتمتد بعضُها إلى فبراير ومارس، ما يعكس دينامية مؤسسية منتظمة خارج “ضجيج المواسم الكبرى”. وعلى مستوى القارة ككل، تُعلن مؤسسات مثل Biennale de Dakar عن أفق نسخة 2026 (19 نوفمبر–19 ديسمبر 2026)، وهو إعلان مبكر يذكّر بأن البيناليات الإفريقية صارت جزءاً من الروزنامة العالمية للفن المعاصر، لا مجرد أحداث محلية.
الخلاصة في يوم مثل 28 يناير 2026: الثقافة ليست خبراً واحداً بل تياراً من الأخبار الصغيرة التي تبني “المشهد”. في المغرب يتقدم الكتاب والتكوين الفني والبرامج الجهوية؛ في العالم العربي تتجاور معارض الكتب مع مشاريع الفن-الحدث (AlUla/Desert X)؛ وفي إفريقيا تُكتب صفحة جديدة للتصميم والترميم والبيناليات. والجامع بينها جميعاً أن الفن يعود—بأشكال مختلفة—ليقول: ما زلنا نحتاج مساحة نتنفس فيها معنىً خارج السياسة والاقتصاد، حتى حين يتقاطع الفن معهما.








0 التعليقات:
إرسال تعليق