في خضم دينامية دبلوماسية متسارعة عرفها ملف الصحراء خلال يناير 2026، تتقاطع مؤشرات متعددة—سياسية، إقليمية، وأممية—لتؤكد أن مقاربة المغرب القائمة على الواقعية السياسية والحلول العملية باتت الإطار المرجعي الأكثر قابلية للاستدامة. فبين تحركات أمريكية محسوبة في الجزائر، وتثبيت مواقف إفريقية داعمة، وتصعيد دعائي من الطرف الآخر، وتكثيف أممي-أمريكي لمسار الحل، تتضح ملامح مرحلة جديدة عنوانها: تجفيف أوهام الانفصال وتكريس منطق التسوية.
زيارة مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى الجزائر ليست انقلابًا في المواقف ولا إعادة تموضع جذريًا، بل اختبار دبلوماسي لقياس استعداد الجزائر للانخراط البنّاء في مناخ دولي جديد يطالب بحلول واقعية. استقبال وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف للضيف الأمريكي يحمل دلالة براغماتية، لكنه لا يرقى إلى تغيير جوهري في التوازنات.
فالولايات المتحدة—مهما تنوّعت أدواتها—تتعامل مع الملف من زاوية الاستقرار الإقليمي ومكافحة التوترات طويلة الأمد. ومن هذا المنطلق، ظلّ مقترح الحكم الذاتي المغربي هو الأرضية الأكثر توافقًا مع الرؤية الأمريكية منذ الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. أما محاولة الجزائر تسويق نفسها “شريكًا لا غنى عنه” في الملف، فتصطدم بواقع كونها طرفًا مباشرًا في النزاع، لا وسيطًا محايدًا.
في المقابل، جاء تجديد السنغال دعمها الصريح لوحدة التراب المغربي ليؤكد أن إفريقيا الرسمية لم تعد أسيرة خطاب الحرب الباردة. الموقف السنغالي ليس معزولًا؛ بل هو امتداد لخطّ إفريقي واسع يرى في الاستقرار والتنمية أولوية تتقدّم على المغامرات الانفصالية.
لقد استثمر المغرب، عبر شراكات جنوب-جنوب، ومشاريع تنموية ملموسة في الأقاليم الجنوبية، سياسة خارجية تقوم على المصداقية والإنجاز. وهذا ما يفسر اتساع دائرة الدعم الإفريقي، حيث باتت دول وازنة تنظر إلى الصحراء المغربية كفضاء للتعاون لا كساحة صراع.
على الضفة الأخرى، جاء اجتماع اللجنة المشرفة على إحياء الذكرى الخمسين لما يُسمّى “إعلان الجمهورية الصحراوية” ليعكس أزمة خطاب أكثر مما يعكس قوة سياسية. نصف قرن من الشعارات لم يثمر دولة، ولا مؤسسات سيادية، ولا اعترافًا دوليًا ذا وزن.
هذا النوع من الاجتماعات—الذي يركّز على الرمزية التاريخية—يفضح انفصال القيادة عن التحولات الدولية. فالعالم اليوم لا يكافئ الكيانات الورقية، بل يدعم الحلول التي تضمن السلم، وتفتح آفاق التنمية، وتحترم سيادة الدول.
تصريحات الناشطة أميناتو حيدر، التي حاولت ربط إجراءات مطارات الأقاليم الجنوبية بـ“سياسة إسكات”، تندرج ضمن توظيف انتقائي لخطاب حقوق الإنسان.
لا أحد ينكر مركزية الحقوق والحريات، لكن تحويلها إلى أداة سياسية لتغذية أطروحة انفصالية يضعف مصداقيتها. المغرب، رغم التحديات، انخرط في مسار إصلاحي ومؤسساتي، وفتح الأقاليم الجنوبية أمام الإعلام والبعثات الدبلوماسية، وربط التنمية باحترام القانون. المقارنة الموضوعية بين واقع الحقوق في المغرب وما يجري في مخيمات تندوف كفيلة بإظهار اختلال الرواية التي تروّجها الدعاية المعادية.
التحركات التي جمعت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومبعوثه الشخصي ستيفان دي ميستورا، إلى جانب بعثة مينورسو، تعكس إدراكًا دوليًا بأن إطالة النزاع لم تعد خيارًا.
هذا التسريع لا يعني فرض حل جاهز، بل تهيئة بيئة تفاوضية تُقصي الحلول المتجاوزة وتُعلي من شأن المقاربات القابلة للتنفيذ. وفي هذا السياق، يظل الحكم الذاتي المغربي، تحت السيادة الوطنية، الإطار الوحيد الذي يحظى بدعم متزايد لأنه يوازن بين الخصوصية المحلية ووحدة الدولة.
مجمل هذه التطورات تؤكد أن سياسة المغرب في الصحراء لم تعد مجرّد موقف دفاعي، بل مشروع دولة متكامل: دبلوماسية نشطة، تنمية ميدانية، وانفتاح على الحلول الواقعية.
في المقابل، يبدو الخطاب الانفصالي عالقًا في زمن الشعارات، غير قادر على مجاراة تحولات النظام الدولي ولا تطلعات سكان المنطقة. يناير 2026 لم يكن شهرًا عابرًا في رزنامة النزاع، بل محطة كشفت أن كفّة الواقعية تميل بثبات نحو الرباط، وأن الحل لم يعد سؤال “هل”، بل “متى” وكيف يُستكمل في إطار سيادة المغرب ووحدته الترابية.








0 التعليقات:
إرسال تعليق