هناك لحظة صامتة، بالكاد ننتبه إليها، حين تتحول القراءة من فعل ذهني إلى إحساس يسري في الجسد. هذه اللحظة، التي كانت لزمن طويل مجرد وهم بلاغي تصنعه الكلمات، صارت اليوم احتمالًا تقنيًا حقيقيًا مع بروز ما يُعرف بالرواية اللمسية. لم يعد القارئ يكتفي بتخيل ارتعاشة الخوف أو ثقل الصمت، بل صار يشعر بها فعليًا، كأن النص مدّ يده من الشاشة ولمس جلده.
الرواية اللمسية لا تأتي من فراغ. إنها ابنة هذا العصر الذي لم يعد يثق في الحواس الواحدة، ولا يرضى بالتجارب الناقصة. مثل موجة البحر التي لا تُفهم من صورتها فقط، بل من صوتها وبرودتها واصطدامها بالجسد، تسعى هذه الرواية إلى أن تكون تجربة كلية، لا مجرد حكاية تُروى. هنا، يتراجع النص خطوة إلى الخلف، لا ليختفي، بل ليفسح المجال لتواطؤ جديد بين اللغة والتكنولوجيا.
في كتب الفلسفة القديمة، كان الجسد يُنظر إليه غالبًا باعتباره عائقًا أمام المعرفة. غير أن الفكر المعاصر، من نيتشه إلى ميرلو-بونتي، أعاد الاعتبار للجسد بوصفه شرطًا للفهم. الرواية اللمسية تنتمي بوضوح إلى هذا الخط الفكري، لأنها تفترض أن القارئ لا يفهم القصة بعقله فقط، بل بجسده أيضًا. الاهتزاز، الضغط الخفيف، التغير المفاجئ في الإحساس، كلها تتحول إلى علامات سردية موازية للجملة والفاصلة.
لكن هذه الإضافة الحسية تثير قلقًا مشروعًا. هل نحن أمام أدب جديد، أم أمام منتج هجين يتردد بين الكتاب واللعبة؟ هذا السؤال طُرح بقوة في النقاشات الأكاديمية حول السرد التفاعلي، خصوصًا بعد انتشار تجارب رقمية تميل إلى الإبهار أكثر من البناء العميق. وكما يحدث دائمًا، يخشى البعض أن تتحول التقنية إلى ضجيج يغطي على صوت المعنى.
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن الرواية اللمسية تمنح السرد فرصة نادرة لتجديد علاقته بالقارئ. إنها تشبه إلى حد ما الانتقال من المسرح المقروء إلى المسرح الحي؛ الكلمات هي نفسها، لكن الأثر مختلف. القارئ هنا لا يكتفي بالمراقبة، بل يدخل في علاقة حميمة مع النص، علاقة فيها شيء من المخاطرة، لأن الجسد لا يعرف الحياد.
ما يميز هذه الرواية حقًا هو أنها تُجبرنا على إعادة طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: ما الأدب؟ هل هو ما يُكتب فقط، أم ما يُعاش؟ في زمن تتلاشى فيه الحدود بين الوسائط، يبدو هذا السؤال أقل استقرارًا من أي وقت مضى. وربما تكون الرواية اللمسية مجرد خطوة أولى في مسار أطول، مسار يجعل السرد أقرب إلى التجربة الإنسانية الكاملة، حيث لا تنفصل الفكرة عن الإحساس، ولا المعنى عن الجسد.
في النهاية، يمكن القول إن الرواية اللمسية ليست بديلًا عن الرواية التقليدية، بل إضافة مشاكسة إليها. إنها تفتح نافذة، لا بابًا نهائيًا، وتترك للقارئ حرية الدخول أو الاكتفاء بالمشاهدة. وككل تجربة جديدة، ستخطئ كثيرًا قبل أن تصيب، لكنها، في أخطائها نفسها، تذكّرنا بأن الأدب لم يكن يومًا فن الاستقرار، بل فن المغامرة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق