منذ اللحظة التي وقفتُ فيها أمام ملعب باكايمبو التاريخي حيث يحتضن متحف كرة القدم البرازيلي، أدركت أنني لا أدخل متحفًا بالمعنى التقليدي، بل أعبر بوابة إلى روح البرازيل نفسها، حيث تختلط الرياضة بالسياسة، والفن بالهوية، والانتصارات بالهزائم التي صاغت وجدان هذا الشعب.
الواجهة البيضاء لملعب Estádio Municipal Paulo Machado de Carvalho تفرض هيبتها بهدوء. لا صخب، لا ضجيج، فقط إحساس بأن هذا المكان شهد لحظات أكبر من الزمن. الوقوف أمامه يشبه الوقوف أمام معبد حديث، معبد اسمه كرة القدم. السيارات المركونة، الزوار المتنوعون الجنسيات، واللافتات الصفراء التي تشير إلى “Mercado Livre Arena” كلها تفاصيل معاصرة تحيط بتاريخ لا يشيخ.
هنا بدأت الرحلة، لا بصفتي سائحًا فقط، بل كمغاربي يعرف جيدًا كيف يمكن لكرة القدم أن تتحول من لعبة إلى قضية كرامة وهوية.
داخل المتحف، لا تُعرض الكؤوس وحدها، بل تُعرض الحكايات. صور بالأبيض والأسود لفرق من بدايات القرن العشرين، لاعبين بملابس بسيطة ووجوه متعبة، لكن في عيونهم شيء من التحدي والعناد. إحدى الصور التي توقفت عندها طويلًا تُظهر لحظة مصافحة قبل مباراة قديمة، حكم يحمل الكرة، ولاعبان ينحنيان لبعضهما البعض. لم تكن مجرد لقطة رياضية، بل مشهد إنساني نادر، يعكس زمنًا كانت فيه الكرة فعل احترام قبل أن تصبح صناعة مليارات.
الجدران مغطاة بإطارات خشبية قديمة، تحوي صور فرق شعبية، لاعبين مغمورين، وجماهير مجهولة. هنا، لا يوجد نجم واحد، بل سرد جماعي يؤكد أن كرة القدم البرازيلية لم تُصنع فقط بأقدام بيليه وغارينشا ورونالدو، بل بسواعد آلاف اللاعبين الذين لم تذكرهم كتب التاريخ.
أحد أكثر المشاهد تأثيرًا هو الجدارية الضخمة المليئة بالوجوه، الألوان، والقمصان المختلفة. لاعبون، جماهير، نساء، أطفال، سياسيون، فقراء، وأغنياء… كلهم داخل لوحة واحدة. هذه الجدارية لا تمجد الفوز فقط، بل تُظهر كيف أصبحت كرة القدم مساحة يلتقي فيها الجميع، وكيف تحولت المدرجات إلى برلمان شعبي صامت.
في هذه اللحظة، تذكرت عبارة الكاتب البرازيلي خوسي لينس دو ريغو التي قرأتها داخل المتحف:
لم تكن العبارة شعارًا سياحيًا، بل خلاصة فكر. فكل مرحلة سياسية في البرازيل، من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، تركت أثرها على كرة القدم، كما تركت الكرة أثرها على السياسة والشارع.
ما يميز متحف كرة القدم في ساو باولو هو اعتماده على الوسائط التفاعلية. شاشات ضخمة تعرض لحظات تاريخية، أهداف، خطابات، دموع فرح، ودموع خيبة. أمام إحدى الشاشات، وجدت نفسي وجهًا لوجه مع تسجيلات أرشيفية تروي كيف تحولت هزيمة 1950 في ماراكانا إلى جرح وطني، وكيف أعادت أجيال لاحقة ترميمه عبر الانتصارات العالمية.
المتحف لا يفرض عليك قراءة التاريخ، بل يجعلك تسمعه وتراه وتشعر به. الأصوات، الموسيقى، الهتافات، كلها تُعيد تشكيل التجربة، وكأنك داخل مدرج حي، لا قاعة عرض.
وأنا أتجول بين الصور، شعرت أن هذا المتحف لا يخص البرازيل وحدها. هو متحف لكل من آمن بأن كرة القدم لغة كونية. كمغربي، لم أستطع إلا أن أقارن بين ما رأيته هنا وبين لحظات عشناها في مونديال قطر 2022، حين تحولت الكرة إلى خطاب هوية وكرامة. البرازيل سبقت العالم في فهم هذا المعنى، وفي تحويله إلى سردية متحفية متكاملة.
حتى صور الجماهير البسيطة، النساء الجالسات على الأرض، الأطفال المتشبثين بالآباء، تُذكرك بأن كرة القدم ليست حكرًا على النخب، بل ملك للشارع، للحي، للذاكرة الشعبية.
زيارة متحف كرة القدم في ساو باولو ليست نزهة، بل درس. درس في كيفية توثيق الرياضة دون تزييف، في احترام الماضي دون تقديس أعمى، وفي استخدام التكنولوجيا دون قتل الروح. هو نموذج يمكن أن يُحتذى به في العالم العربي والإفريقي، حيث نملك تاريخًا كرويًا غنيًا لكنه مهدد بالنسيان.
خرجت من المتحف وأنا أكثر اقتناعًا بأن كرة القدم، حين تُفهم جيدًا، تصبح أداة ثقافية وتربوية، لا مجرد مباراة تنتهي بصافرة حكم. في ساو باولو، تعلمت أن المتاحف ليست فقط للآثار الحجرية، بل أيضًا للأهداف، للهتافات، وللأحلام التي ركضت يومًا فوق العشب.
هكذا كانت زيارتي لمتحف كرة القدم في ساو باولو: رحلة داخل لعبة تحولت إلى وطن، وداخل وطن تشكلت ملامحه من كرةٍ لا تتوقف عن الدوران.








0 التعليقات:
إرسال تعليق