الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، يناير 31، 2026

الرهان الثقافي الجديد ، استثمارات، مهرجانات، وسرديات متجددة: إعداد عبده حقي

 


يتّجه المشهد الثقافي والفني مطلع يناير 2026 نحو مفارقة لافتة: من جهةٍ تتسارع مشاريع “الصناعة الثقافية” الكبرى (السينما، المنصّات، البنى التحتية)، ومن جهةٍ أخرى يتعمّق سؤال المعنى والهوية والذاكرة داخل المعارض والمهرجانات والفضاءات الحيّة. وبينهما تتقدّم منطقة المغرب بخطوات محسوسة في “اقتصاد الصورة” و”دبلوماسية الثقافة”، بينما يعيد العالم العربي ترتيب أولوياته الثقافية عبر مهرجانات ذات طموح دولي، وتستعيد إفريقيا (خصوصًا غربها) حقّها في عرض إبداعها “داخل البيت” بعد سنواتٍ طويلة كان الاعتراف فيها يُصنع غالبًا في العواصم الأوروبية.

في المغرب، يبرز خبرٌ يكاد يلخّص التحوّل الجاري: الإعلان عن مشروع مدينة/مجمع إنتاج سينمائي ضخم على محور الرباط–الدار البيضاء، بأفق جعل المملكة قطبًا إفريقيًا متكاملًا للإنتاج السمعي-البصري من الاستوديو إلى ما بعد الإنتاج والتكوين، مع إشاراتٍ إلى اهتمام منصّات عالمية كبرى بالتصوير والاستثمار في البنية الجديدة. هذا النوع من المشاريع لا يضيف “بنايةً” إلى الخريطة فقط، بل يوسّع مفهوم السيادة الثقافية: حين تملك الدولة/السوق سلاسل القيمة (تصوير، تقنيون، مدارس، خدمات، إقامة)، تصبح الثقافة جزءًا من القوة الناعمة وفرص الشغل في آنٍ واحد. ويزداد المعنى وضوحًا إذا استحضرنا أنّ ورزازات كانت لسنوات “بوابة” تصوير عالمية، والآن يجري التفكير في تجميع الخبرة وتحديثها قرب مراكز القرار والربط اللوجستي.

وبموازاة “المشروع الكبير”، ظلّت الساحة المغربية تتحرّك بمنطق أقرب إلى النبض المحلي: مهرجانات المواهب والمدن، وبرمجة القاعات الخاصة، وتنامي الرهانات على المزج بين الموسيقى والفرجة والكوميديا والفنون المعاصرة. من أمثلة ذلك ما رُوّج لبرمجة ثقافية مكثفة خلال يناير في فضاءات فنية بمراكش تجمع حفلات وأنماطًا موسيقية مغربية مع عروض معاصرة، بما يعكس اتجاهًا متزايدًا نحو جعل المدينة “منصة دائمة” لا تنتظر موسمًا واحدًا. كما تتقاطع هذه الدينامية مع تقويم مهرجانات موسيقية كبرى تُقدَّم بوصفها جزءًا من هوية المغرب الثقافية للسنة الجديدة، حيث يُعاد تسويق البلاد كوجهة مهرجانات بقدر ما هي وجهة تاريخ وطبيعة.

أما في العالم العربي، فتبدو “الخريطة الثقافية” في بداية 2026 أكثر تشابكًا بين المسرح والفنون البصرية والمهرجانات التي تُدار بمنطق دولي. على مستوى المسرح، برزت تغطيات لمشاركة أعمال مغربية ضمن مهرجان المسرح العربي بالقاهرة، وهو ما يذكّر بأن المسرح—رغم ضجيج المنصّات—ما زال مساحةً لطرح أسئلة المجتمع واللغة والتمثيل الحيّ. وفي الفنون المعاصرة، تُسجَّل في المنطقة الخليجية على الخصوص تجارب بيناليات ومهرجانات تُراهن على موضوعات “الحضارات” و”التراث والذكاء الاصطناعي” و”الحرف”، في محاولة لصناعة سردية جديدة تُزاوج بين الذاكرة والابتكار، لا كديكور سياحي بل كبرنامج ثقافي طويل النفس. وفي السعودية، تتواصل دينامية المهرجانات الكبرى ذات الطابع العالمي في العلا، حيث تُقدَّم الفنون في فضاءات مفتوحة وضمن مشاريع تربط الفن بالبيئة وبفكرة “المتحف في الهواء الطلق”، مع حضور أسماء وأعمال وإقامات فنية تجعل الحدث أقرب إلى منصة إنتاج معرفي وجمالي لا مجرد عروض عابرة.

وفي إفريقيا، يظهر “الخبر الثقافي” هذا الشهر وكأنه يعيد كتابة مركز الثقل نحو الداخل الإفريقي، خصوصًا في غرب القارة. مثالٌ بالغ الدلالة هو معرض التصميم في قصر لوميه بتوغو، الذي قُدِّم بوصفه لحظة “عودة” للتصميم الغرب-إفريقي إلى قاراته الأصلية بعدما صار كثير من مصمميه يسطعون عالميًا لكن نادرًا ما يُعرض لهم في بلدانهم. المعرض جمع مصممين من دول عدة واشتغل على مواد محلية ومعاد تدويرها وتقنيات متجذرة في الحرف والرموز، ما يقدّم التصميم كجزء من الثقافة اليومية لا كترفٍ نخبوي.

ومن السنغال تأتي إشارة مؤسساتية واضحة: الإعلان عن موعد بينالي داكار للفن الإفريقي المعاصر في أواخر 2026، وهو إعلان مهم لأن بينالي داكار ليس حدثًا فنيًا فقط، بل “مؤشر ثقة” في المنظومة الثقافية وقدرتها على الاستمرارية والتنظيم وجذب الفنانين والشركاء. وفي السينما، تبرز مؤشرات دولية على حضور أفلام إفريقية في مسابقات كبرى مثل برلين (باعتبارها إحدى بوابات الاعتراف العالمي)، وهو ما يمنح السينما الإفريقية دفعة رمزية: ليست مجرد “قصص هامشية”، بل منافسة داخل قلب الصناعة.

هذه الأخبار—على اختلاف جغرافيتها—تلتقي في ثلاث ملامح عامة: أولًا، صعود “البنية” كشرط للإبداع (استوديوهات، مدارس، فضاءات، تمويل)، وثانيًا، تحوّل المهرجانات من منصات عرض إلى منصات إنتاج وشبكات علاقات وتكوين، وثالثًا، إعادة تفاوض الفن مع التكنولوجيا: من اهتمام المنصات العالمية بالإنتاج في المغرب إلى إدراج الذكاء الاصطناعي والحرف ضمن ثيمات بيناليات عربية ، وصولًا إلى تجارب عرض إفريقية تعيد الاعتبار لمواد بسيطة لكنها تخلق جماليات جديدة.

النتيجة أن “الجديد اليوم” في الثقافة والفنون ليس عنوانًا واحدًا، بل حركة مزدوجة: تكبير الصناعة وتدقيق الأسئلة. في المغرب، يتجاور حلم الاستوديو العملاق مع دفء الفضاءات التي تشتغل يوميًا على جمهور المدينة. في العالم العربي، تتنافس العواصم على صناعة مواسم ثقافية تُدار بمقاييس دولية دون التخلي عن سرديات الهوية. وفي إفريقيا، يتزايد الإصرار على أن تكون القارة مسرحًا لإبداعها لا مجرد مصدرٍ له. وبين هذه الدوائر الثلاث، تظل الثقافة في 2026 أكثر من “خبر جميل”: إنها سياسة، واقتصاد، وذاكرة، وطريقة جديدة لفهم المكان في عالم يتغير بسرعة.


0 التعليقات: