في مطلع 2026 تبدو الصحافة والإعلام في المغرب والعالم العربي وإفريقيا كأنها تدخل “طورًا جديدًا” لا تحدّده التقنيات وحدها، بل يحدّده أيضًا الصراع على الثقة، وعلى من يملك البنية التحتية للخبر، وعلى من يضع قواعد اللعبة في زمن المحتوى المُولَّد آليًا. الجديد اليوم ليس خبرًا واحدًا، بل تحوّل متسارع: غرف أخبار تُجرّب أدوات الذكاء الاصطناعي لتسريع التحرير والترجمة والتحقق، وفي المقابل موجات من التضليل العميق والابتزاز الرقمي، وتشريعات وهيئات تنظيمية تُعاد صياغتها تحت ضغط السياسة والسوق والمنصات.
في المغرب، يبرز عنوانان متداخلان: التنظيم المهني للصحافة من جهة، والانتقال الرقمي وحوكمة الذكاء الاصطناعي من جهة ثانية. على مستوى التنظيم، أثار مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة نقاشًا حادًا حول استقلالية المهنة وطبيعة التمثيلية وآليات اختيار الأعضاء، وهو نقاش غذّته مواقف منظمات دولية اعتبرت أن تغييرات معينة قد تعزّز نفوذ السلطة التنفيذية على الفضاء المهني. ثم جاء تطورٌ لافتٌ في يناير 2026: قرار المحكمة الدستورية الذي اعتبر بعض مقتضيات قانون إعادة التنظيم غير دستورية وأوقف نفاذها قبل إدخال التعديلات اللازمة، ما أعاد الملف إلى مربع المراجعة التشريعية وفتح بابًا جديدًا للجدل العام حول الضمانات الدستورية لاستقلال المؤسسات المنظمة للصحافة.
أما في شقّ الرقمنة والذكاء الاصطناعي، فالصورة مركّبة: من جهة هناك دفع سياسي ومؤسساتي نحو “حوكمة رقمية” أشمل تشمل البيانات والهوية الرقمية ومفاهيم “السيادة الرقمية”، مع حديث عن أطر وطنية جديدة للانتقال الرقمي وإدماج الذكاء الاصطناعي في الإدارة والاقتصاد. ومن جهة ثانية تتوسع شراكات النقاش العمومي حول “الاستعمال الأخلاقي” للذكاء الاصطناعي، كما تظهر في لقاءات وتعاونات مؤسساتية مع منظمات إقليمية في قضايا الابتكار والحكامة. هذه الدينامية تضع الصحافة المغربية أمام سؤال عملي: كيف تُطوّر أدواتها (الأرشفة، التنقيب في البيانات، التحقق من الفيديو والصوت، الترجمة الفورية) دون أن تتحول إلى مجرد “ملحق” لخوارزميات المنصات؟ وكيف تضمن أن التحول الرقمي لا يبتلع الاستقلالية المهنية تحت عنوان التحديث؟
في العالم العربي، الجديد الأبرز هو اتساع فجوة “القدرة على تبنّي الذكاء الاصطناعي” داخل غرف الأخبار. فهناك مؤسسات كبيرة تمتلك التمويل والبنية السحابية والفرق التقنية، تقابلها غرف أخبار صغيرة ومتوسطة تُجبرها المنافسة على استخدام أدوات جاهزة غالبًا بلا سياسات تحريرية واضحة، وبلا تدريب كافٍ على مخاطر الهلوسة والتحيز وتسرب البيانات. هذا التشخيص يظهر بوضوح في نقاشات حديثة حول “الفجوة” داخل غرف الأخبار العربية وكيف يمكن أن يعيد الذكاء الاصطناعي إنتاج اختلالات القوة بدل أن يوزعها. وفي السياق نفسه، يتكرر سؤال التعليم الصحفي: كيف تُدرَّس المهنة في عصر أدوات توليد النص والصورة؟ وما الحدود بين “المساعدة” و”التعويض”؟ وهي أسئلة تتردد في أدبيات تدريب الصحفيين على تعريفات دقيقة للذكاء الاصطناعي وتمييز التوليدي من غيره، ووضع قواعد للمسؤولية.
وعلى مستوى الصناعة عالميًا—وهو ما ينعكس تلقائيًا على العالم العربي—تظهر مؤشرات على أن كثيرًا من غرف الأخبار انتقلت من التجريب السريع إلى محاولة بناء “طلاقة تشغيلية” مع الذكاء الاصطناعي: سياسات استخدام، تدقيق داخلي، فرق مختلطة تحرير/تقنية، وتحديد حالات استعمال واضحة (تلخيص وثائق، دعم التحقيقات، تفريغ المقابلات، رصد الشبكات الاجتماعية). تقرير اتجاهات 2026 الصادر عن معهد رويترز يشير إلى أن نسبة معتبرة من القيادات الصحفية ترى نتائج “واعدة” لمبادرات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، لكن مع استمرار الحذر من الأخطاء ومن أثر ذلك على الثقة ونماذج الأعمال.
في إفريقيا، يتقدم ملفان إلى الواجهة: “الابتكار الصحفي” و”المخاطر المدنية”. على جانب الابتكار، تتزايد المبادرات التي تستعمل الذكاء الاصطناعي في التحقق من الأخبار، وتتبع حملات التضليل، وبناء أدوات تخدم التحقيقات الاستقصائية، وهو منحى رصدته تقارير عن منظمات صحفية إفريقية تطوّر حلولًا محلية لمواجهة التضليل ولتقوية المراقبة المجتمعية. كما يشير الاتحاد الإفريقي، عبر أجندات ملتقيات إعلامية قارية، إلى أن الذكاء الاصطناعي بات موضوعًا رئيسيًا للنقاش المهني: أخلاقيات التحقق، الحماية القانونية لحرية الصحافة في العصر الرقمي، والاستدامة المالية للإعلام المستقل. وفي غرب إفريقيا على وجه الخصوص، تتزايد المقالات التحليلية التي توازن بين فرص الذكاء الاصطناعي (تسريع العمل، دعم التحقق) وبين مخاطره (المراقبة، توظيفه ضد الصحفيين، وتضخيم الحملات الممولة).
لكن جانب المخاطر يبدو أكثر إلحاحًا في 2026. تقارير حرية الإنترنت في إفريقيا تحذر من أن التضليل المُعزَّز بالذكاء الاصطناعي—خصوصًا “الديب فايك” والبوتات—يرتبط مباشرة بالانتخابات وبالاستقطاب وبتهديد الفضاء المدني، وتوصي بالاستثمار في أدوات تحقق وتدريب الصحفيين على رصد المحتوى المُولّد آليًا. وفي الصحافة الدولية تبرز أمثلة عن كيف تسرّع الأدوات التوليدية إنتاج مواد مضللة أو مسيئة، وكيف تتراجع قدرة المجتمعات على مقاومتها بسبب نقص التمويل للتدقيق والوعي الرقمي.
وتتقاطع هذه التحديات مع أزمة أخرى تخص نماذج الوصول إلى الأخبار. فمع صعود “ملخصات الأخبار” داخل أدوات المحادثة ومحركات البحث، تخشى مؤسسات كثيرة من أن يتحول جمهورها إلى مستهلك لملخصٍ بلا زيارة للمصدر، ما يعني فقدان العائدات والاشتراكات، والأخطر: إعادة ترتيب الخريطة الإعلامية لصالح الجهات الأكثر حضورًا في بيانات التدريب أو الأكثر قدرة على التفاوض مع المنصات. دراسة حديثة حول ملخصات أخبار داخل مساعدات ذكاء اصطناعي أظهرت كيف يمكن أن تُهمَّش وسائل محلية لصالح مصادر أكبر وأكثر مركزية، وهو إنذار مبكر لما قد تواجهه صحافة الأطراف، بما فيها في إفريقيا والعالم العربي.
وعلى جبهة السلامة الرقمية، تتصاعد أخطار “الاستغلال الجنسي الرقمي” عبر الديب فايك والابتزاز، وهو ما يطال الصحفيات والناشطات بشكل خاص، ويخلق أثرًا مروّعًا على حرية التعبير والمشاركة العامة. تحقيقات صحفية حديثة عن شبكات على تطبيقات مراسلة تُسهّل إنتاج وتبادل صور عارية مُزوَّرة تشير إلى حجم الظاهرة عالميًا واتساعها في بلدان متعددة، ما يعيد طرح سؤال: كيف نحمي المجال العام الصحفي عندما يصبح التزييف سلاحًا شخصيًا وسياسيًا في آن؟
أمام هذا المشهد، يبدو “الجديد اليوم” في المغرب والعالم العربي وإفريقيا هو انتقال النقاش من الانبهار بالأداة إلى بناء حوكمة مهنية لها: قواعد شفافية (متى استُخدم الذكاء الاصطناعي؟)، معايير تدقيق (كيف نتحقق من المواد المُولّدة؟)، تدريب (محو أمية خوارزمية داخل غرف الأخبار)، وحماية قانونية للصحفيين والجمهور. من دون ذلك، قد يصبح الذكاء الاصطناعي—بدل أن يكون مضاعفًا لجودة الصحافة—مضاعفًا للضجيج، ومسرّعًا للثغرات، ومركّزًا للسلطة الرمزية في يد من يملك البنية والبيانات والقدرة على “توجيه” ما يُرى وما لا يُرى.







0 التعليقات:
إرسال تعليق