الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، يناير 31، 2026

الرهينة كرسالة سياسية موجهة إلى باريس: عبده حقي

 


لم تكن زيارة سيغولين رويال إلى الجزائر حدثًا إنسانيًا بريئًا، ولا مبادرة حسن نية كما حاولت الدعاية الرسمية الترويج له، بل كانت حلقة إضافية في سياسة ممنهجة يتقنها النظام الجزائري، قوامها الاحتجاز والابتزاز واستعمال الأفراد كورقة تفاوض سياسي. إن ما جرى لا يعكس انفتاحًا ولا إنسانية، بل يكشف، بوضوح فاضح، طبيعة نظام عاجز عن إدارة أزماته إلا بمنطق الرهينة.

سيغولين رويال ليست سيدة عابرة في المشهد السياسي الفرنسي. إنها مرشحة رئاسية سابقة، ووزيرة سابقة، وشخصية ذات وزن رمزي داخل الدولة الفرنسية، وشريكة الرئيس الأسبق فرانسوا هولاند. اختيارها لم يكن اعتباطيًا، بل مدروسًا بعناية من طرف نظام يعرف جيدًا قيمة الصورة، وقوة الرسائل غير المباشرة، وأثر الرموز السياسية في الرأي العام الفرنسي.

منذ لحظة الإعلان عن الزيارة، تحولت تصريحات رويال إلى مادة دعائية بيد أنصار النظام، الذين سارعوا إلى تقديمها كـ“شهادة دولية” على إنسانية السلطة الجزائرية. غير أن هذا الخطاب ينهار فور إخضاع الوقائع لأبسط تحليل عقلاني: أي نظام إنساني هذا الذي يحتجز صحافيًا أجنبيًا لأشهر، ثم يسمح بزيارته بشكل انتقائي، مسرحي، محسوب بالدقيقة؟

اللحظة المركزية في هذه الزيارة لم تكن اللقاءات البروتوكولية، بل انتقال رويال إلى سجن القليعة لزيارة الصحافي الفرنسي كريستوف غليز. هذه الزيارة، التي جرت بترخيص خاص، بعد لقاء رسمي مع وزير العدل الجزائري، تفضح جوهر القضية: لو كان غليز سجين حق عام، كما تزعم الرواية الرسمية، فلماذا يُعامل معاملة استثنائية؟ ولماذا يُنقل خصيصًا من سجنه إلى العاصمة عشية الزيارة؟

الجواب واضح: لأن كريستوف غليز ليس مجرد سجين، بل رهينة سياسية. والسماح لسيغولين رويال بزيارته لم يكن فعل رحمة، بل رسالة سياسية مشفرة إلى باريس: “الرهينة بخير، ويمكن الإفراج عنه… إذا دفعت فرنسا الثمن”.

هذا هو جوهر السياسة التي ينتهجها نظام عبد المجيد تبون: سياسة تقوم على منطق العصابات لا منطق الدول. تقديم “دليل حياة” عبر شخصية سياسية فرنسية بارزة لا يختلف في جوهره عن أساليب التنظيمات الإجرامية التي تسمح بظهور الرهينة أمام الكاميرا لإثبات أنه ما يزال حيًا.

الأخطر من ذلك أن النظام الجزائري، من خلال هذا السلوك، اعترف ضمنيًا بأن كريستوف غليز معتقل سياسي، مهما حاول إنكار ذلك. فالأنظمة التي تحترم القانون لا تسمح بتدخل شخصيات أجنبية في ملفات قضائية “عادية”، ولا تفتح أبواب السجون انتقائيًا، ولا تمنح امتيازات رمزية لسجين دون غيره.

كريستوف غليز ليس معارضًا سياسيًا، ولا ناشطًا، ولا صاحب خطاب عدائي تجاه الجزائر. هو صحافي رياضي بالأساس، وقع في التوقيت الخطأ، وفي المكان الخطأ، في سياق أزمة دبلوماسية خانقة بين الجزائر وفرنسا. ذنبه الوحيد أنه مارس مهنته، والتقى أشخاصًا، واشتغل على ملف لم يكن النظام يريد الاقتراب منه.

استعمال هذا الصحافي كورقة ضغط هو فضيحة أخلاقية وسياسية. وهو ينسف كل ادعاءات الاستقلال القضائي التي ترددها السلطة الجزائرية. فلو كانت العدالة مستقلة فعلًا، لما احتاج النظام إلى توظيف سيغولين رويال، ولا إلى استعراض “إنسانيته” أمام مجلة باريس ماتش.

إن ما يحدث ليس “بادرة تهدئة” في العلاقات الفرنسية–الجزائرية، بل ابتزاز صريح: إغلاق ملفات قضائية حساسة في فرنسا، إسكات الإعلام الفرنسي، التضييق على المعارضين الجزائريين في المنفى، مقابل الإفراج عن رهينة بريئة. هذه ليست دبلوماسية، بل صفقة قذرة.

الجزائر، بتاريخها وثورتها وتضحياتها، أكبر من هذا الانحدار. لم تكن يومًا دولة رهائن، ولم تبنِ وزنها الإقليمي على احتجاز الصحافيين. ما يجري اليوم لا يمثل الجزائر، بل يمثل نظامًا مأزومًا، فاقدًا للثقة، يستعيض عن السياسة بالاحتجاز، وعن الحوار بالتهديد.

ستُسجل زيارة سيغولين رويال في الذاكرة السياسية لا كدليل إنسانية، بل كدليل إدانة. إدانة لنظام اختار أن يفاوض العالم من خلف قضبان السجون، وأن يحول الصحافة إلى جريمة، والإنسان إلى ورقة ضغط. وهذا، في كل المقاييس، عار سياسي وأخلاقي لا يُغتفر.


0 التعليقات: