في كتابه Why Read the Classics يكتب إيتالو كالفينو كما لو أنّه يُعيد فتح سؤال قديم ليمنحه جسدًا جديدًا: لماذا نقرأ الكلاسيكيات الآن، في زمنٍ لم تعد فيه القراءة فعلَ عزلةٍ هادئة، بل نشاطًا متشظيًا، موزّعًا بين شاشة وأخرى، ومشدودًا إلى إيقاع السرعة؟ هذا السؤال لا يطرحه كالفينو بصفته ناقدًا متحفّظًا، بل قارئًا اختبر الخيبة والمتعة، النسيان والعودة، ويعرف أنّ الكتاب الكلاسيكي لا يعمل إلا حين نصطدم به في اللحظة المناسبة.
ما يقترحه كالفينو ليس تعريفًا جامدًا للكلاسيكي، بل تعريفًا حيًّا: الكلاسيكيات هي تلك الكتب التي لا تنتهي من قول ما لديها، لأنّها لا تتوجّه إلى زمن واحد. هي نصوص تتقدّم معنا في العمر، وتُغيّر نبرتها كلّما تغيّرنا. حين نعود إليها بعد سنوات، لا نجد الكتاب نفسه، ولا نجد أنفسنا أنفسنا. هذا التحوّل المزدوج هو جوهر التجربة. القراءة هنا ليست استهلاكًا، بل علاقة زمنية، علاقة تتشكّل بالانقطاع والعودة، بالملل أحيانًا، وبالدهشة المؤجّلة غالبًا.
وأنا أقرأ هذا الكتاب اليوم، لا أستطيع فصله عن تجربتي كقارئ في العصر الرقمي. قراءتي لم تعد خطّية كما كانت؛ أقرأ على الورق، ثم أقطع القراءة لأدوّن ملاحظة على الهاتف، أو لأقارن فقرة بمقال رقمي، أو لأعود إلى نصّ آخر عبر رابط. هذه التجزئة، التي يُنظر إليها عادة بوصفها تهديدًا للقراءة العميقة، تكشف لي—على نحو paradoxal—قيمة الكلاسيكيات كما يراها كالفينو. فالنصّ الكلاسيكي، حين يُوضع داخل هذا الفضاء المتشعّب، لا يذوب؛ بل يقاوم، ويُظهر صلابته الداخلية. إنه نصّ قادر على العبور بين الوسائط دون أن يفقد نبرته.
في «Why Read the Classics»، لا يدافع كالفينو عن القراءة بوصفها واجبًا ثقافيًا، ولا يضع قائمة إلزامية يجب المرور بها. على العكس، يصرّ على أنّ لكل قارئ كلاسيكياته الخاصة، وأنّ اللقاء الأول بالنصّ قد يكون فاشلًا تمامًا. الفشل هنا ليس عيبًا، بل شرطًا. القراءة المؤجّلة، أو القراءة التي لم تكتمل، تظلّ تعمل في الخلفية، وتُعدّنا للعودة. هذه الفكرة تكتسب معنى إضافيًا في سياق الأدب الرقمي، حيث تُصبح العودة أسهل، وأحيانًا أكثر إلحاحًا: بضغطة زر، نعود إلى نصٍّ قديم لنقرأه في ضوء سياق جديد، أو لنربطه بنصوص أخرى عبر شبكة لا نهائية من الإحالات.
يرى كالفينو أنّ الكلاسيكيات لا تُقرأ من أجل “المعرفة” وحدها، بل من أجل إعادة ترتيب علاقتنا بالعالم. هذا التصوّر يلتقي، بشكل لافت، مع ما يطرحه الأدب الرقمي من إمكانات جديدة للقراءة: القراءة بوصفها تجربة تفاعلية، حيث لا يكون القارئ متلقّيًا سلبيًا، بل مشاركًا في بناء المعنى. حين أقرأ نصًا كلاسيكيًا اليوم، وأعيد كتابته ذهنيًا عبر ملاحظات رقمية، أو أربطه بوسائط أخرى (صورة، خريطة، مقطع صوتي)، أشعر أنّني أُمارس ما كان كالفينو يلمّح إليه: أنّ الكلاسيكي يعيش بقدر ما نعيد إدخاله في شبكة حياتنا الراهنة.
أسلوب كالفينو نفسه يقدّم درسًا في هذا الاتجاه. لغته خفيفة، دقيقة، متحرّرة من الثقل الأكاديمي، لكنها لا تتخلّى عن العمق. هذه الخفّة ليست تبسيطًا، بل اقتصادٌ في الجملة، ووعيٌ بأنّ الأفكار الكبيرة لا تحتاج إلى ضجيج لغوي. في زمن النصوص المتشظّية والمنشورات السريعة، تبدو هذه الكتابة نموذجًا لما يمكن أن يكون عليه “النصّ الطويل” حين ينجح: نصّ يحتمل التوقّف والعودة، ويكافئ القارئ بالصبر لا بالسرعة.
حين يكتب كالفينو عن هوميروس أو دانتي أو سرفانتس، لا يشرحهم كما تُشرح الدروس، بل يروي كيف التقاهم، وكيف تسلّلوا إلى مخيّلته. النقد يتحوّل هنا إلى سيرة قراءة. هذا الشكل السردي للنقد يفتح بابًا واسعًا أمام الأدب الرقمي، الذي يميل بطبيعته إلى المزج بين السيرة والتأمّل والتحليل. في هذا السياق، لا يعود السؤال: ما الذي قاله النص؟ بل: كيف عاش النصّ فيَّ، وكيف أستطيع أن أُعيد سرد هذه الحياة داخل وسيط جديد؟
تجربتي مع القراءة الرقمية جعلتني أُدرك أنّ الكلاسيكيات ليست نقيضًا للتكنولوجيا، بل اختبارًا لها. النصّ الضعيف ينهار حين يُفكّك إلى شذرات؛ أمّا النصّ القوي، فيصمد، ويكشف عن طبقات جديدة كلّما أعدنا ترتيبه. الكلاسيكي، بهذا المعنى، ليس كتابًا “قديمًا”، بل نصًّا عالي الكثافة، قادرًا على تحمّل التقطيع، والربط، وإعادة السياق.
في أحد أكثر مقاطع الكتاب إضاءة، يلمّح كالفينو إلى أنّ القراءة الأولى ليست الأهم، وأنّ القراءة الحاسمة قد تأتي لاحقًا، حين تتقاطع التجربة الشخصية مع النصّ. هذا التقاطع هو ما يتيحه الفضاء الرقمي بكثافة غير مسبوقة: نقرأ النصّ ونحن محاطون بأصوات أخرى، بتجارب أخرى، وبأرشيف كامل من القراءات السابقة. بدل أن يُضعف هذا الأمر العلاقة بالنصّ، قد يعمّقها، شرط أن نحتفظ بما يسمّيه كالفينو “الإنصات الطويل”.
في النهاية، لا يقدّم «Why Read the Classics» إجابة نهائية، ولا يسعى إلى إقناع القارئ عبر الحجج الصارمة. إنه كتاب يُعيد الاعتبار لفعل القراءة بوصفه تجربة شخصية، قابلة للتغيّر، ومفتوحة على المستقبل. وحين نقرأه اليوم، في قلب التحوّلات الرقمية، نكتشف أنّ دفاعه عن الكلاسيكيات ليس دفاعًا عن الماضي، بل عن قدرة النصّ على الاستمرار داخل أشكال جديدة من الحياة والقراءة.
لهذا، فإنّ سؤال كالفينو لا يزال صالحًا، وربما أكثر إلحاحًا: لماذا نقرأ الكلاسيكيات؟ لأنّها تمنحنا، وسط ضجيج الشبكات، فرصة نادرة لإعادة التوازن؛ لأنّها تُذكّرنا بأنّ المعنى لا يُستهلَك دفعة واحدة، بل يُبنى عبر الزمن؛ ولأنّها—حين نُعيد قراءتها داخل الفضاء الرقمي—تُثبت أنّ الأدب الحقيقي لا يخاف الوسيط، بل يتجدّد به.








0 التعليقات:
إرسال تعليق