الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، فبراير 01، 2026

حيل صوتٍ لا يشيخ: عبده حقي

 


شكّل خبر وفاة عبد الهادي بلخياط، مساء الجمعة 30 يناير 2026، صدمة وجدانية عميقة داخل المغرب وخارجه، ليس فقط لأن الأمر يتعلق برحيل فنان كبير عن عمر ناهز 86 سنة، بل لأن الغياب مسّ أحد الأصوات التي أسست للوجدان الموسيقي المغربي الحديث، ورافقت أجيالاً كاملة في أفراحها وتأملاتها وأسئلتها الوجودية. ومنذ اللحظات الأولى لإعلان الوفاة، توالت ردود الفعل الرسمية والثقافية والإعلامية والشعبية، في مشهد نادر من الإجماع حول قيمة الرجل الفنية والإنسانية.

على المستوى الرسمي، جاءت برقية التعزية التي بعث بها الملك محمد السادس لتكرّس هذا الإجماع. فقد وصف جلالته رحيل بلخياط بـ«الخسارة الفادحة» التي ألمّت بالمشهد الفني المغربي والعربي، معتبراً الراحل قامة فنية وطنية من «أبناء المغرب البررة» الذين بصموا تاريخ الموسيقى بأعمال خالدة، وجعلوا من الأغنية المغربية سفيرة للذوق الرفيع والقيم الجمالية. وقد تداولت مختلف المنابر الإعلامية نص البرقية كاملة، مرفوقة بتحليلات تؤكد رمزية هذا التكريم الملكي، الذي يعكس المكانة الخاصة التي احتلها بلخياط في الذاكرة الوطنية.

في السياق ذاته، عبّرت مؤسسات رسمية ودبلوماسية عن حزنها لرحيل الفنان، من بينها سفارة فرنسا بالمغرب، التي نشرت تعزية رسمية على منصتها في موقع «إكس»، نوهت فيها بإسهام الراحل في إشعاع الثقافة المغربية وبعمق الروابط الثقافية التي جسدها فنه عبر العقود. وقد أثار هذا الموقف تفاعلاً واسعاً، اعتبره متابعون دليلاً على البعد الكوني لتجربة بلخياط، التي تجاوزت الحدود اللغوية والجغرافية.

أما في الحقل الإعلامي، فقد خصصت وكالات الأنباء الوطنية، وعلى رأسها وكالة المغرب العربي للأنباء، تقارير موسعة استحضرت المسار الفني الطويل للفنان، منذ بداياته في ستينيات القرن الماضي، مروراً بمحطات الإبداع الكبرى التي أنجبت أعمالاً خالدة مثل «قطار الحياة» و«القمر الأحمر»، وصولاً إلى قراره الاعتزال الفني في أوج العطاء، وهو القرار الذي ظل محل تقدير واحترام حتى من قبل من اختلفوا معه فنياً. وذهبت كثير من المقالات إلى اعتبار هذا الاعتزال امتداداً منطقياً لاختياراته القيمية والروحية، وليس قطيعة مع الفن.

الصحافة الوطنية، بمختلف توجهاتها، تعاملت مع الحدث بوصفه لحظة تأمل جماعي في معنى الفن والالتزام. فبين العناوين الخبرية العاجلة والقراءات التحليلية الهادئة، برزت مقالات رأي وشهادات شخصية لكتاب ونقاد وفنانين، رأوا في بلخياط نموذجاً نادراً للفنان الذي جمع بين الصرامة الجمالية والنقاء الأخلاقي. بعض هذه الكتابات توقف عند آخر ما تركه صوته من تسجيلات ذات طابع روحي، معتبراً أن الرجل «اختار خاتمته في صميم المعنى لا في زينة الذكرى».

في الوسط الفني، عبّر مطربون وملحنون وشعراء عن حزنهم العميق، مستحضرين تأثير بلخياط في مساراتهم الشخصية. كثيرون تحدثوا عن فنان علّمهم أن الأغنية ليست مجرد لحن وكلمة، بل موقف من العالم، وأن الشهرة يمكن أن تُعاش بتواضع، وأن الاعتزال قد يكون أحياناً أرقى أشكال الوفاء للفن. وانتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع نادرة من حفلاته، وصور أرشيفية، وتعليقات تختزل ذاكرة جماعية مشتركة.

أما التفاعل الشعبي، فكان لافتاً في كثافته وعفويته. فقد تحولت شبكات التواصل إلى فضاء عزاء مفتوح، يتقاسم فيه المغاربة مقاطع من أغانيه، وذكرياتهم الأولى مع صوته، في البيوت والمقاهي والسيارات. وتكررت عبارات من قبيل «برحيله ينتهي زمن» أو «الصوت الذي ربّى ذائقتنا»، في تعبير صادق عن شعور الفقد.

في المحصلة، لم تكن ردود الفعل على وفاة عبد الهادي بلخياط مجرد طقس عابر من طقوس الحزن، بل جرداً رمزياً لقيمة فنية وإنسانية استثنائية. فقد بدا واضحاً أن الرجل، وهو يترجل عن «قطار الحياة»، ترك خلفه أكثر من رصيد غنائي؛ ترك درساً في الاختيار، وفي معنى أن يكون الفنان وفياً لصوته الداخلي قبل كل شيء. وهذا ما يفسر، ربما، ذلك الإجماع النادر الذي رافق خبر رحيله، وجعل من وداعه لحظة وطنية بامتياز.

0 التعليقات: