نادراً ما يجد الصحفي نفسه أمام مادة يصعب تصنيفها أو إدراجها ضمن الأنماط المعتادة للعمل الإعلامي. غير أن ما جرى في نهاية شهر يناير 2026 في المشهد الإعلامي الجزائري يخرج عن كل المألوف، ليس فقط من حيث المضمون، بل من حيث الجرأة غير المسبوقة على اختلاق الوقائع، ونسبها إلى مؤسسات إعلامية وبحثية دولية كبرى لم تقل يوماً ما نُسب إليها.
في يوم الجمعة 30 يناير 2026، بثّت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية برقية إخبارية جرى تداولها على نطاق واسع، وتلقّفتها فوراً مختلف وسائل الإعلام العمومية والخاصة. البرقية زعمت أن “وسائل إعلام ومراكز أبحاث أمريكية مرموقة” أشادت بمشروع منجم رڨان بيلت بولاية تندوف، واعتبرته “عملاقاً عالمياً صاعداً” في مجال الحديد، بل وذهبت إلى حد تقديمه كنقطة تحول تاريخية في الاقتصاد الجزائري، تُنهي “الارتهان للمحروقات” وتفتح باب التحول الصناعي الكبير.
الأخطر في الأمر ليس المبالغة في التوصيف، بل نسبة هذه الادعاءات إلى أسماء ثقيلة الوزن في الإعلام والبحث الاقتصادي العالمي: وول ستريت جورنال، بلومبيرغ، فوربس، المونيتور، بل وحتى “المعهد الجيولوجي للولايات المتحدة”. أسماء لا تُستعمل عرضاً، ولا يُغامر صحفي مهني بإقحامها دون سند موثّق.
لكن ما إن بدأت عملية التحقق، حتى انهار البناء بأكمله.
لا مقالات… لا تقارير… لا أثر
عمليات تدقيق متقاطعة أُجريت على المواقع الرسمية لكل المؤسسات التي زُجّ بأسمائها في البرقية، شملت محركات البحث الداخلية، الأرشيفات، وحتى المقالات المحجوبة خلف الاشتراكات. النتيجة كانت واحدة وصادمة: لا وجود لأي مقال حديث، ولا تقرير، ولا تحليل، ولا حتى إشارة عابرة تصف منجم رڨان بيلت بما ورد في البرقية الرسمية.
لم تنشر وول ستريت جورنال شيئاً عن المشروع.
لم تتحدث فوربس عنه إطلاقاً.
لم تصدر بلومبيرغ أي مادة تصفه كـ“عملاق صاعد”.
لم يرد اسم المشروع في المونيتور لا تحليلاً ولا خبراً.
أما المعهد الجيولوجي الأمريكي، فكل ما نشره عن الجزائر يعود إلى تقارير قديمة، تقنية، محايدة، لا تمت بصلة للخطاب الاحتفالي الذي رُوّج له، ولا يحمل أي توصيف استراتيجي أو سياسي للمشروع.
بعبارة واضحة: كل ما نُسب إلى هذه الجهات لم يكن سوى اختلاق كامل.
من الترويج إلى التضليل
ما حدث لا يمكن تفسيره بخطأ مهني عابر، ولا بسوء فهم صحفي، بل يندرج في إطار عملية تضليل ممنهجة. إذ لا يعقل أن تُخطئ جميع وسائل الإعلام الجزائرية، العمومية والخاصة، في وقت واحد، وبالنص ذاته، وبالمصادر ذاتها، دون أي تدقيق مستقل.
الأخطر أن وكالة أنباء رسمية، ممولة من المال العام، ومفترض فيها الالتزام بالحد الأدنى من قواعد التحقق والمهنية، تحولت إلى مصدر مركزي لإنتاج الأخبار الزائفة، لا إلى ناقل للمعلومة.
سياق سياسي لا يمكن تجاهله
توقيت هذه الحملة ليس بريئاً. فالرئيس الجزائري كان على وشك تدشين خط السكة الحديدية الرابط بين تندوف وبشار، وهو مشروع كلّف خزينة الدولة ما يقارب سبعة مليارات دولار، في سياق اقتصادي هش، ومع غياب نقاش عمومي حقيقي حول الجدوى الاقتصادية والبيئية والاستراتيجية.
بدلاً من فتح نقاش وطني شفاف، جرى تصنيع سردية دولية وهمية تُقدّم المشروع باعتباره محل إجماع عالمي، وتُصوّر أي صوت ناقد داخلي كصوت “جاهل” أو “خائن” أو “معادٍ للتنمية”.
شهادات مهنية تؤكد الفضيحة
صحفيون جزائريون معروفون بمصداقيتهم، من بينهم الزميل فريد عليلات، أجروا التحقيقات نفسها، وخلصوا إلى النتيجة ذاتها: لا أثر لما قيل. عليلات وصف ما جرى بأنه “أكبر عملية تلاعب إعلامي عرفتها الجزائر”، مؤكداً أن الأمر لا يتعلق بتضخيم خبر، بل باختلاق كامل لوقائع دولية لم تحدث.
سابقة خطيرة في تاريخ الإعلام الرسمي
للمرة الأولى، لا تكتفي سلطة سياسية بتوجيه الإعلام، بل تستخدمه لاختراع شرعية خارجية وهمية. هذا النوع من الممارسات لا يضرب فقط مصداقية الصحافة الوطنية، بل يضع الدولة نفسها في موضع الشك أمام الرأي العام الدولي.
فالصحافة العالمية لن ترد، ولن تنفي، لأنها ببساطة لم تكن معنية أصلاً. لكن الأثر الداخلي، على الوعي الجمعي، وعلى الثقة في المؤسسات، هو الأشد خطورة.
ما جرى ليس نجاحاً إعلامياً، بل انكشاف مدوٍّ.
ليس إنجازاً اقتصادياً، بل سردية مصطنعة.
وليس دعاية عادية، بل تضليل منظم على نطاق وطني.
منجم رڨان بيلت لم يصبح “عملاقاً عالمياً” ببيان صحفي، والاقتصادات لا تُبنى بالبرقيات، ولا بالمصادر الوهمية، بل بالشفافية، والنقاش، والمحاسبة.
وما عدا ذلك… مجرد وهم مؤقت، سرعان ما ينهار أمام أول عملية تحقق جادة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق