في هذا المطلع من سنة 2026 تبدو الثقافة والفنون في ثلاث دوائر كبرى—المغرب، العالم العربي، وإفريقيا—كأنها تتحرك على إيقاع واحد: تسارع الاستثمار في الصناعات الإبداعية (خصوصاً السمعي-البصري)، عودة المهرجانات والمعارض كمساحات للتنفس العام، وتصاعد أسئلة الحرية والتمثيل والهوية داخل المشهد الفني نفسه. وبينما تُعيد المدن الكبرى ترتيب صورتها عبر “اقتصاد الرمزية” (المتاحف، المعارض، السينما، الموسيقى، الكتاب)، يظل سؤالٌ يتكرر: هل تتحول الثقافة إلى قوة ناعمة تُنتج معنىً، أم إلى واجهة تسويقية تُحسن الصورة أكثر مما تُغذي الروح؟
في المغرب، الخبر الأبرز الذي يُقرأ ثقافياً قبل أن يُقرأ اقتصادياً هو إعلان خطط إنشاء مجمّع سينمائي ضخم قرب الرباط/الدار البيضاء (مشروع “مدينة” إنتاجية بميزانية كبيرة وعلى مساحة واسعة)، بهدف جعل البلاد قطباً إفريقياً متكاملاً في الصناعة السمعية-البصرية، من الاستوديوهات إلى التدريب وما بعد الإنتاج. هذا النوع من المشاريع لا يعني فقط بناء جدران واستوديوهات؛ بل يعني أيضاً إعادة تعريف علاقة المغرب بالسينما العالمية. فالمغرب كان لعقود “موقع تصوير” جذاباً، أما اليوم فيحاول أن يصبح “منظومة إنتاج” مكتملة تُراكم الخبرة وتستقطب الأعمال الكبرى وتُشغّل اليد العاملة الفنية والتقنية محلياً.
وبالتوازي مع رهانات البنية التحتية الثقافية، تواصل التظاهرات السينمائية لعب دور “الدبلوماسية اليومية” للمدينة. فأسابيع الفيلم الأوروبي مثلاً تمتد بين الدار البيضاء ومراكش والرباط ببرنامج عروض ومواعيد واضحة من أواخر يناير إلى منتصف فبراير، وهو ما يعيد القاعات إلى قلب المدينة ويُنعش عادة المشاهدة الجماعية، بعيداً عن استهلاك المنصات الفردي. هذه الأسابيع لا تُقدّم السينما بوصفها ترفاً، بل بوصفها لغة تماسّ بين الجمهور المغربي وتحولات السينما الأوروبية الحديثة وتياراتها الجديدة.
وعلى مستوى “الفضاء المحلي” الثقافي، تظهر مهرجانات المدن كمنصات لاستعادة الجمهور وتقديم طاقات جديدة؛ من بينها مهرجان “مواهب الدار البيضاء” الذي اختتم دورته في أواخر يناير، في سياق يراهن على الفنون الحضرية والطاقات الشابة والاشتغال على المشهد الثقافي كحياة يومية لا كاستثناء موسمي. وفي الخلفية أيضاً تستمر المواعيد السينمائية الكبرى في تثبيت “العلامة الثقافية” للمدن (على شاكلة مهرجان مراكش الدولي للسينما الذي يقدّم نفسه كموعد عالمي في سرديته الرسمية)، بما يعنيه ذلك من جذب اهتمام دولي وخلق موسم ثقافي سياحي متداخل.
أما في العالم العربي، فالعنوان الأوسع هو: عودة الكتاب والحدث الجماهيري الكبير، مع توسع المهرجانات والبيناليات والأسواق الفنية في الخليج والمشرق وشمال إفريقيا. مثال واضح على ذلك ما يُتداول حول زخم معرض القاهرة الدولي للكتاب وتسجيل أرقام زيارة ضخمة هذا الموسم، بما يعكس تعطشاً شعبياً إلى الفضاء الثقافي حين يُدار بشكل منظم ويُقدّم تجربة مدينة كاملة لا مجرد “أروقة بيع”. هذا المشهد يبعث رسالة مزدوجة: الكتاب لا يزال قادراً على صناعة حدث، لكن إدارة الثقافة صارت جزءاً من إدارة الدولة لصورتها وخطابها العام.
وفي الخليج، يتحول الفن التشكيلي إلى مساحة تنافس عالمي عبر استقطاب علامات كبرى من سوق الفن—مثل الحديث عن نسخة من “آرت بازل” في قطر—بصيغة تلائم السياق المحلي وتقدّم نفسها كمزج بين “التقاليد” و“الانفتاح المحسوب”. هذا النوع من المبادرات يطرح سؤالاً عميقاً: هل ينقل الفن “السوق” إلى المنطقة فقط، أم ينقل معه بنية مؤسساتية تُنمي الفنانين المحليين وتراكم الجمهور والاقتناء والمعرفة؟ اللافت أن الخطاب المصاحب يركز على “الحوار” و“التسامح” و“بناء الجسور”، وهي مفردات باتت جزءاً من قاموس القوة الناعمة العربية في العقد الأخير.
وعلى امتداد المنطقة العربية أيضاً، يبدو أن “خريطة المواسم” صارت بحد ذاتها خبراً: معارض كتب، مواسم ترفيه وثقافة، مهرجانات موسيقى، منصات للفنون البصرية، وتوسع العروض المسرحية والستاند-أب والفنون الأدائية. صحيح أن بعض المقالات التجميعية تميل إلى الترويج أكثر من التحليل، لكن وجود هذه الخريطة—مهما اختلفنا معها—يدل على أن الثقافة لم تعد هامشاً في السياسات العامة، بل أصبحت بنداً قائماً بذاته: ميزانيات، رعايات، شراكات، وأجندة سياحية مرتبطة.
وفي إفريقيا، تلمع مفارقة مهمّة: القارة الأكثر خصوبة في التجارب الفنية المعاصرة، هي نفسها القارة التي تتقاطع فيها الفنون بقوة مع السياسة والذاكرة والحقوق. فـبينالي داكار مثلاً يقدّم نفسه، وفق بلاغاته، كمنصة مركزية للإبداع الإفريقي المعاصر داخل القارة والشتات، ويستثمر زخم سنة 2026 كي يرسّخ دكار كعاصمة للفن والثقافة والشباب. ما يهم هنا ليس البلاغ وحده، بل دلالة استمرار المؤسسات الفنية الإفريقية في بناء “تقليد دوري” قادر على الاستمرارية، وهو شرط نادر في بيئات تتقلب فيها الموارد والسلطات.
وفي شرق إفريقيا، يظهر حديث عن بينالي فني يجمع فنانين إقليميين ويؤكد فكرة “المراكز المتعددة” داخل القارة: ليس هناك مركز واحد للفن الإفريقي، بل شبكة مدن تتناوب الأضواء—نيروبي، دكار، جوهانسبورغ، لاغوس، أكرا…—وتُعيد تعريف “الجمهور” الإفريقي بوصفه شريكاً لا مجرد متلقٍ.
لكن الخبر الأكثر حساسية—والأشد دلالة على توتر العلاقة بين الفن والسلطة—هو الجدل في جنوب إفريقيا حول المشاركة في بينالي البندقية 2026، حيث رفعت فنانة دعوى بعد تدخل سياسي حال دون مشاركتها بسبب مضمون عمل يرتبط بمأساة غزة. هذه الواقعة تعيد سؤالاً قديماً بصيغة جديدة: من يقرر ما الذي يمكن للفن أن يقوله حين يصير الكلام نفسه “مادة نزاع”؟ وهي أيضاً تذكير بأن الفنان الإفريقي، مثل غيره، لم يعد يتحرك في فراغ جمالي؛ بل في فضاء دولي شديد الاستقطاب، تُحاسَب فيه الصور والرموز كما تُحاسَب الخطب السياسية.
الخلاصة التي يمكن التقاطها اليوم: الثقافة والفنون في المغرب والعالم العربي وإفريقيا لا تتحرك فقط باعتبارها “إبداعاً”، بل باعتبارها بنية: مشاريع كبرى، مهرجانات، منصات، أسواق، وصراع على المعنى. وإذا كان 2026 يفتح شهية الاستثمار في “الواجهة الثقافية”، فالتحدي الحقيقي هو أن تُترجم هذه الواجهة إلى محتوى حيّ: دعم للفنانين والكتاب، حماية لمساحات التعبير، تنويع للجمهور، وتعليم فني يخلق أجيالاً لا تستهلك الثقافة فقط، بل تنتجها أيضاً.








0 التعليقات:
إرسال تعليق