الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، فبراير 02، 2026

بين السيادة الرقمية وسوق المنصات: أين تتجه الصحافة؟ إعداد عبده حقي

 


يتّضح من متابعة “الجديد” في مطلع فبراير 2026 أن الموجة الأكبر التي تعيد تشكيل الصحافة والإعلام ليست حدثاً واحداً، بل تراكم ثلاث قوى معاً: تسارع التحول الرقمي داخل المؤسسات، صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي كأداة إنتاج وتوزيع، ثم اتساع معركة “سلامة المجال المعلوماتي” أمام الديبفايك والتضليل المنظّم. وبين هذه القوى، تتحرك النظم الإعلامية في المغرب والعالم العربي وإفريقيا على إيقاع واحد: البحث عن معادلة تجمع بين السرعة والموثوقية، وبين الابتكار والحوكمة، وبين اقتصاد المنصات وحماية الجمهور.

في المغرب، يبرز اتجاهان متوازيان: الدولة تدفع نحو “التجريب المنظم” في الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه تتصاعد المخاوف العملية من الجرائم الرقمية والاحتيال القائم على تقنيات التزييف. على مستوى السياسات، نقرأ إعلاناً عن إطلاق “هاكاثونات” جهوية للذكاء الاصطناعي مع نية تشديد الترسانة المتعلقة بالجرائم السيبرانية، بما يوحي بأن المقاربة الرسمية تريد تشجيع الابتكار، لكن مع تقوية أدوات الردع والحماية. وعلى مستوى الواقع اليومي، تظهر أخبار التحذير من حملات احتيال استثمارية تستعمل صوراً مزيفة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لتمثيل شخصيات مسؤولة، وهو نموذج شديد الدلالة: الذكاء الاصطناعي لم يعد فقط موضوعاً للنقاش المهني داخل قاعات التحرير، بل صار أيضاً أداة في سوق النصب المعلوماتي تستهدف الثقة العامة.

وفي العمق المهني، يتحول سؤال “كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟” إلى سؤال أدق: كيف نستخدمه من دون أن يبتلع معايير التحرير؟ هنا تصبح غرف الأخبار مطالَبة بوضع بروتوكولات واضحة: متى نسمح بالأتمتة (تلخيص، تفريغ، ترجمة، تصنيف)، ومتى يجب أن تظل اليد البشرية هي الحارس (التحقق، الحساسية الأخلاقية، السياق، تسمية الأشياء بأسمائها). ومن دلائل التحول أيضاً أن المغرب يراهن على توسع صناعات المحتوى السمعي-البصري (استوديوهات وإنتاج)، بما يخلق ضغطاً إضافياً على الإعلام: المنافسة لم تعد فقط بين صحف وقنوات، بل أيضاً بين منظومة صناعة محتوى كاملة تتغذى من المنصات والخوارزميات.

أما في العالم العربي، فالعنوان الأوضح هو “تفاوت السرعات”. بعض المؤسسات الإعلامية الكبيرة المدعومة مالياً تدخل الذكاء الاصطناعي عبر أدوات متقدمة وبنية بيانات وحوسبة، فيما مؤسسات أخرى “تتأخر” أو تُدفع دفعاً إلى استخدام أدوات جاهزة من دون سيادة على البيانات أو فهم عميق للمخاطر. تقرير من معهد رويترز لدراسة الصحافة يلتقط هذه اللحظة عالمياً: حوالي 44% من المستجوبين يرون أن مبادرات الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار تُظهر نتائج “واعدة”، لكن نسبة قريبة (42%) تصف أثرها بأنه “محدود حتى الآن”، ما يعني أن الضجيج أكبر من العائد لدى كثير من الناشرين، وأن التحدي الحقيقي هو تحويل التجارب إلى عمليات تحريرية مستقرة لا تهز الثقة.

وفي سياق عربي خالص، يلفت تقرير في معهد الجزيرة للإعلام إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يعمّق الفجوة بدل أن يردمها: غرف أخبار قليلة تمتلك البنية والموارد فتحتكر أدوات السرد وتتحكم في “السرعة”، بينما غرف أخرى تصبح تابعة لأدوات خارجية، بما يهدد الاستقلال والتحقق ويخلق تبعية تقنية جديدة. ومن جهة ثانية، تتسابق حكومات عربية لإعلان مبادرات واستراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي تتقاطع مع الإعلام بشكل مباشر (خدمات حكومية ذكية، تنظيم بيانات، خطاب سيادة رقمية). هنا تظهر معضلة حساسة: كيف تستفيد الصحافة من هذا الزخم الرسمي في التدريب والتمويل، من دون أن تتحول إلى ملحق ترويجي أو تفقد مسافة النقد الضرورية؟

وعلى مستوى التكنولوجيا نفسها، يبرز خبر إطلاق نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر في الإمارات من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، وهو خبر يتجاوز البعد التقني ليصل إلى “السيادة الرقمية” في المنطقة: نماذج أقوى محلياً تعني أدوات ترجمة وتلخيص وتحليل باللهجات واللغات الإقليمية، لكنها تعني أيضاً سباقاً على من يملك البيانات، ومن يضع قواعد الاستخدام، ومن يحدد حدود الشفافية.

وفي إفريقيا، الصورة مزدوجة بحدة: من جهة هناك ورشات وبرامج تدريب وحاضنات لتطوير أدوات ذكاء اصطناعي تخدم الصحافة (خصوصاً في غرب إفريقيا)، ومن جهة أخرى هناك تصاعد مخاطر الديبفايك والتضليل الجنسي والسياسي عبر المنصات. مثال على الاتجاه الأول: مبادرات تدريب وحاضنات في نيجيريا وغرب إفريقيا تسعى لجمع الصحافيين والتقنيين لصناعة أدوات تساعد على المساءلة ورصد الفساد والتحقق. وعلى الاتجاه الثاني، نقرأ تحقيقات عن انتشار شبكات تستهدف مستخدمين في نيجيريا عبر قنوات على تيليغرام لتوزيع محتوى مُزيّف (ديبفايك) وإساءة رقمية، ما يجعل “أمن الصحافة” مرتبطاً بأمن المجتمع نفسه: إذا تحولت الكرامة الفردية إلى مادة تركيب وترويج، فإن منسوب الخوف والصمت يرتفع، ويضيق المجال العام الذي تعيش منه الصحافة.

على مستوى الحوكمة القارية، تشتغل الاتحاد الإفريقي مع اليونسكو على إطار قاري يركز على “سلامة المعلومات” ومحو الأمية الإعلامية والرقمية، وهي محاولة لردم الفجوة بين سرعة الخوارزميات وبطء التشريعات، وبين قدرة المضللين على الإنتاج وقدرة المؤسسات على الرد. وفي الخلفية، تذكّر تقارير وبيانات دولية بأن التضليل بات أكثر “احترافاً” مع أدوات الذكاء الاصطناعي، وأن غرف الأخبار تحتاج شراكات تحقق وتقنيات توثيق منشأ المحتوى (Content Provenance) لكي لا تتحول إلى ناقل بريء لصور مركّبة.

الخلاصة اليوم: الجديد في الصحافة والإعلام والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في فضاءاتنا الثلاثة لا يُختزل في أدوات “تكتب أسرع”، بل في تحوّل أعمق: الصحافة تُعيد تعريف مهنتها بوصفها هندسة ثقة. كل مؤسسة إعلامية ستُسأل: ما سياستك في استخدام الذكاء الاصطناعي؟ ما قواعد التحقق لديك أمام الديبفايك؟ كيف تحمي بيانات مصادرك؟ وكيف توازن بين اقتصاد السرعة وحق الجمهور في الحقيقة؟ ومن ينجح في تحويل هذه الأسئلة إلى سياسات تحريرية واضحة—وليس مجرد حماس تقني—سيملك ميزة نادرة في 2026: أن يكون سريعاً… وموثوقاً في الوقت نفسه.

0 التعليقات: