لم تعد الصحافة، في لحظتنا الراهنة، مجرّد مهنة لنقل الوقائع أو سباقاً يومياً مع الزمن. ما يتغيّر أمام أعيننا أعمق من ذلك بكثير. نحن لا نعيش فقط تحوّلاً تقنياً، بل نعيش تحوّلاً في غاية الإعلام نفسها. لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل: بماذا نُصدّق؟ ولماذا؟ ومن يُقنعنا؟
أكتب هذا وأنا أراقب كيف انتقلت غرف الأخبار، في المغرب والعالم العربي وإفريقيا، من ضجيج الورق والبث المباشر إلى صمت الخوادم والخوارزميات. في هذا الصمت الجديد، لا تُسمع أصوات المحررين، بل أصوات الأنظمة الذكية التي تقترح، ترتّب، تلخّص، وتعيد الصياغة. لا أحد ينكر فائدتها. لكن السؤال الذي يقلقني هو: من يملك القرار الأخير؟ الإنسان أم الأداة؟
في المغرب، يبدو المشهد مزدوجاً على نحو لافت. من جهة، هناك حماس رسمي ومهني تجاه الذكاء الاصطناعي: حديث عن الابتكار، عن التدريب، عن الرقمنة الشاملة، وعن إدماج التكنولوجيا في الإعلام والتعليم والخدمات. ومن جهة أخرى، يتسلّل القلق بهدوء: قلق من التزييف، من الاحتيال الرقمي، من صور وأصوات لم تعد تُثبت شيئاً. فجأة، يصبح الوجه المعروف قابلاً للاستنساخ، والكلمة الموثوقة قابلة للتركيب، والخبر الصادق مهدَّداً بأن يُغرقه سيل المحتوى المصنَّع.
هنا، أكتشف أن الصحافة لم تعد تُنافس صحافة أخرى، بل تُنافس الخوارزمية نفسها. تُنافس السرعة المطلقة، والوفرة اللامحدودة، والقدرة على الإقناع عبر التكرار لا عبر الدليل. وهذا صراع غير متكافئ. فالخوارزمية لا تتعب، لا تشك، ولا تسأل عن المعنى. بينما الصحافي—إن بقي صحافياً—لا يستطيع أن يكتب دون تردّد، دون مراجعة، دون خوف من الخطأ.
في العالم العربي، تتّخذ المفارقة شكلاً أوضح. مؤسسات إعلامية ضخمة تستثمر في الذكاء الاصطناعي، وتُعلن عن “غرف أخبار ذكية”، في مقابل مؤسسات أصغر تُدفع دفعاً إلى استعمال أدوات جاهزة لا تفهم منطقها ولا تملك بياناتها. هكذا تنشأ فجوة جديدة، ليست بين “مهني” و“هاوٍ”، بل بين من يملك التكنولوجيا ومن يُستعمل بها.
ما يقلقني هنا ليس الذكاء الاصطناعي ذاته، بل فكرة الاعتياد. الاعتياد على أن يكتب النظام العناوين، ثم الفقرات، ثم التحليل. الاعتياد على أن نُسلّم له ترتيب الأولويات، واختيار الزوايا، وحتى اقتراح الأسئلة. في لحظة ما، قد نستيقظ لنكتشف أن الصحافة لم تعد تطرح الأسئلة الصعبة، بل الأسئلة الأكثر قابلية للانتشار.
أما في إفريقيا، فالصورة أكثر هشاشة وأكثر شجاعة في آنٍ واحد. هشاشة لأن البنية التحتية ضعيفة، والتكوين غير متكافئ، والضغوط السياسية والاقتصادية حاضرة بقسوة. وشجاعة لأن كثيراً من الصحافيين هناك يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي كأداة مقاومة لا كترف: أداة للتحقق، لتتبع الفساد، لكشف التضليل. لكن الخطر يظل قائماً: حين تُصبح أدوات التزييف متاحة للجميع، فإن الصحافة تفقد امتيازها التاريخي بوصفها “الوسيط الموثوق”.
وهنا أصل إلى الفكرة التي لا تفارقني:
الصحافة لم تعد تُنتج الحقيقة، بل تُنتج الإيمان بالحقيقة.
Belief، لا Fact، هو الرهان الجديد.
الإيمان بأن هذا الصوت حقيقي.
الإيمان بأن هذه الصورة لم تُصنع.
الإيمان بأن هذا النص كُتب بدافع الفهم لا بدافع الخوارزمية.
في زمن الذكاء الاصطناعي، تصبح الصحافة شكلاً من هندسة الثقة. الثقة لا تُبنى بالسرعة، بل بالشفافية. لا تُبنى بالوفرة، بل بالاختيار. لا تُبنى بالتكنولوجيا، بل بحدود واضحة لاستخدامها.
ما الذي يجعل قارئاً يثق في مؤسسة إعلامية اليوم؟
ليس لأنها “ذكية”، بل لأنها تعترف بما تستخدمه، وبما لا تستخدمه. لأنها تقول: هنا تدخل الإنسان، وهنا تتوقف الآلة. لأن صوت الكاتب لا يزال مسموعاً، بتردده، بقلقه، وبأسئلته غير المكتملة.
ربما لهذا السبب أعتقد أن مستقبل الصحافة لن يكون للأكثر تطوراً تقنياً، بل للأكثر صدقاً مع ذاته. الصحافة التي تفهم أن الذكاء الاصطناعي أداة، لا ضميراً. وسيلة، لا غاية. مساعد، لا بديلاً عن الحسّ الأخلاقي.
في النهاية، لسنا أمام سؤال تقني، بل أمام سؤال وجودي:
هل نريد إعلاماً يُقنعنا بسرعة؟
أم إعلاماً يجعلنا نفكّر ببطء؟
في هذا الاختيار بالذات، سيتحدد مصير الصحافة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق