الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، فبراير 01، 2026

آخرُ مقامٍ في حضرة الرحيل: للشاعر عبده حقي


تَوَارَى صَوْتُهُ، فَاسْتَيْقَظَ الدَّهْرُ يَبْكِي

وَخَفَّتْ فِي دُجَى الأَيَّامِ أَنْجُمُهُ الزُّهُرُ

أَبُو النَّغَمِ السَّامِي، إِذَا مَا تَرَنَّمَتْ
بِهِ الرِّيحُ، أَصْغَى الصَّخْرُ وَانْهَلَّتِ القُطُرُ

عَبْدُ الْهَادِي، وَالْأَسْمَاءُ تَحْنُو عَلَى اسْمِهِ
فَتَسْجُدُ لِلَّحْنِ الأَسَامِي وَتَعْتَذِرُ

أَتَى صَوْتُهُ مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ قِبْلَتِي
فَصَارَ لَهَا فِي كُلِّ مَسْمَعٍ أَثَرُ

إِذَا غَنَّى، تَفَتَّحَ فِي الْحَنَايَا صَبَا
وَإِنْ صَمَتَتْ أَوْتَارُهُ، صَاحَ الْوَتَرُ

نَعَى اللَّيْلُ فَنًّا كَانَ يُقْسِمُ بِالضِّيَا
وَيَشْهَدُ أَنَّ الصَّوْتَ فِي الصَّمْتِ يَحْتَضِرُ

تَرَكْتَ لَنَا لَحْنًا يُعَلِّمُنَا الْبُكَا
وَيُقْنِعُ أَنَّ الدَّمْعَ أَشْرَفُ مَا يُدَّخَرُ

وَكُنْتَ إِذَا مَا اشْتَدَّ صَرْخُ الْمَدَى
تُهَدِّئُهُ، فَيَسْكُنُ الْعَاصِفُ الْعَسِرُ

سَكَنْتَ الْقُلُوبَ الشَّابَّةَ الْيَوْمَ أُغْنِيَةً
وَصِرْتَ لِقَلْبِ الْكِبْرِيَاءِ مُنَاصِرُ

أَتَتْكَ الْمَنَايَا وَهْيَ تَعْرِفُ قَدْرَكَ
فَمَا جَرُؤَتْ إِلَّا وَفِي كَفِّهَا عُذْرُ

تَقُولُ: خُذِ الصَّوْتَ الَّذِي أَرْهَقَ السَّمَا
فَقَالَتْ: عَلَى مَهْلٍ، فَإِنَّ لَهُ صَدَرُ

فَمَا انْكَسَرَتْ أَوْتَارُهُ، بَلْ تَعَالَتْ
كَمَا يَتَعَالَى الْمَوْجُ إِذْ يَخْتَالُ فِي الْبَحْرُ

وَمَا مَاتَ مَنْ أَحْيَا الْقُلُوبَ بِأُنْشُودٍ
إِذَا ذُكِرَتْ عَاشَ الزَّمَانُ وَيَفْتَخِرُ

رَحَلْتَ، وَفِي الأَسْمَاعِ بَقْيَةُ نَبْضِكَ
تُرَتِّلُ أَنَّ الْفَنَّ دِينٌ لَهُ طُهُرُ

وَكَمْ رُدِّدَتْ فِي الْبَيْتِ أَلْحَانُكَ الَّتِي
إِذَا مَا تَدَاعَى الْحُزْنُ، انْجَلَى وَانْحَسَرُ

تَعَلَّمَ مِنْ صَوْتِكَ الطِّفْلُ الْحُلُمْ
وَفِي كَفِّهِ الْغِدْرَانُ صَارَتْ نَهَرُ

وَفِي صَدْرِهَا الْمَرْأَةُ اسْتَامَتْ هُدُوءَهَا
فَصَارَ لَهَا فِي اللَّحْنِ أَمْنٌ وَمُسْتَقَرُ

إِذَا قِيلَ: مَنْ أَحْيَا الْهُوِيَّةَ نَغْمَةً؟
أَشَارَ الْهَوَى نَحْوَكَ وَانْتَصَرُ

وَقُلْنَا: هُنَا مَغْرِبُ الرُّوحِ نَابِضٌ
فَأَجَابَتْ جِبَالُ الْأَطْلَسِ: الْخَبَرُ

تَحَدَّثَ عَنْكَ الْمَوْتُ خَجْلًا فَقَالَ:
لَهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ أَلْفُ عُمُرُ

فَلا تَحْسَبَنْ أَنَّ الْفَنَاءَ يُغَالِبُ
صَوْتًا إِذَا مَا سَارَ فِي النَّاسِ، يَنْتَشِرُ

وَلا تَحْسَبَنْ أَنَّ السُّكُونَ نِهَايَةٌ
فَفِي الصَّمْتِ تَحْيَا النَّغْمَةُ الْغُرُّ

تَفَاخَرْتَ لَمَّا كُنْتَ تَحْمِلُ وَطْنَكَ
فَصَارَ لَكَ الْوَطَنُ الْكَبِيرُ هُوَ الْقَدَرُ

وَقُلْتَ: أَنَا لِلْحُبِّ صَوْتٌ وَمَوْعِدٌ
فَأَقْسَمَتِ الأَيَّامُ: صِدْقُكَ مُعْتَبَرُ

رَحَلْتَ، وَمَا رَحَلَتْ مَعَكَ أُغْنِيَةٌ
تُقِيمُ بِصَدْرِ الدَّهْرِ، لَا تَنْدَثِرُ

تَسَاءَلَتِ الأَوْتَارُ: أَيْنَ مُرَبِّيهَا؟
فَقُلْنَا: سَكَنَ الْغَيْبَ، وَالصَّوْتُ مُدَّخَرُ

وَقَالَتْ لَنَا الذِّكْرَى: تَمَسَّكْ بِظِلِّهِ
فَظِلُّ الْعِظَامِ إِذَا مَضَوْا يُنْشِرُ

لِمَنْ كَانَ يَسْقِي اللَّيْلَ أَلْحَانَ فَجْرِهِ
تَكُونُ السَّمَاوَاتُ الرِّضَا وَتُقِرُّ

أَبَا الطَّرَبِ الْعَالِي، سَلَامًا مُؤَبَّدًا
عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَجْدَ فِيكَ يُسَطَّرُ

أَتَانَا نَعَاكَ فَاسْتَقَامَتْ مَرَاثِنَا
وَصَارَ الْحُزْنُ نَشِيدًا يُفَكِّرُ

فَهَذَا رِثَاءٌ لَا يُقَصِّرُ فِي الْوَفَا
وَلَكِنَّهُ يَعْجِزُ إِذِ الْحَقُّ أَكْبَرُ

إِذَا ذُكِرَتْ أَسْمَاءُ فَنٍّ تَقَدَّمَتْ
خُطَاكَ، وَقَالَ الْفَخْرُ: هَذَا هُوَ الدُّرُّ

نَعَمْ، كُنْتَ فِي الْمِيزَانِ صَوْتًا مُقَدَّسًا
يُعَلِّمُ أَنَّ الْحُبَّ شِعْرٌ وَمَنْبَرُ

وَفِي الْمِحْنِ، كُنْتَ الْأَمَانَ لِسَامِعٍ
إِذَا مَا تَكَاثَرَ فِي الْفُؤَادِ التَّكَدُّرُ

سَتَبْقَى، وَإِنْ أَغْمَضْتَ عَيْنَيْكَ، نَغْمَةً
تُدَاوِمُ مَا بَيْنَ الزَّمَانِ وَالْقَدَرُ

وَمَا الْمَوْتُ إِلَّا غَيْبَةٌ لِحَبِيبِنَا
إِذَا ذُكِرَتْ عَادَ الْحَيَاةُ وَتُزْهَرُ

فَخُذْ مِنْ دُعَائِنَا سَلَامًا مُؤَبَّدًا
وَمِنْ وَطَنٍ يَبْقَى عَلَيْكَ يُكَبِّرُ

نَعَى الْفَنُّ نَفْسَهُ حِينَ غِبْتَ، وَقَالَ:
سَيَحْيَا، فَفِي ذِكْرَى الْعِظَامِ لَهُ ظَفَرُ


0 التعليقات: