الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، يوليو 28، 2026

«شَظَايَا الْوَاقِعِ»: قَصِيدَةٌ رَقْمِيَّةٌ تَكْتُبُهَا الْجُغْرَافِيَا: عبده حقي


تدخل مجموعة «شظايا الواقع»، أو Fragments of Reality، إلى المشهد الشعري الرقمي باعتبارها تجربة تتجاوز فكرة الكتاب الإلكتروني التقليدي، وتضع القارئ أمام نص متحوّل لا يستقر على صورة واحدة. فالمجموعة لا تقدم القصيدة بوصفها كلمات محفوظة داخل شاشة، بل تجعل الموقع الجغرافي للقارئ جزءًا من بنيتها الإبداعية، بحيث تتغير المقاطع والصور والإيقاعات والواجهات تبعًا للمكان الذي تُفتح فيه.

قد يقرأ شخص في الدار البيضاء قصيدةً تتخللها أصوات الميناء، وظلال الأزقة القديمة، وإشارات إلى المحيط الأطلسي، بينما يفتح قارئ في باريس المجموعة نفسها فيجد النص محاطًا بصدى المترو، وأضواء الجسور، وبرودة الأرصفة. أما القارئ الموجود في صحراء أو قرية جبلية، فقد تستقبله قصائد مختلفة، تستدعي اتساع الأفق، وتبدل الضوء، وصمت المسافات.

بهذا المعنى، لا توجد نسخة نهائية واحدة من «شظايا الواقع». توجد نسخ متعددة بعدد المدن والبلدان والقرى التي يعبرها القراء، بل بعدد المواقع التي تسمح لها الخريطة الرقمية بالدخول إلى القصيدة. إننا أمام كتاب يتكاثر في الفضاء، ويتشظى على سطح العالم، ويمنح كل قارئ انطباعًا بأنه يقرأ نسخة كتبت له وحده.

الْقَارِئُ الَّذِي يَحْمِلُ مَكَانَهُ إِلَى النَّصِّ

اعتادت القصيدة الورقية أن تنتقل من مكان إلى آخر من دون أن يتغير جسدها اللغوي. يحملها المسافر في حقيبته، ويقرأها في القطار أو في المقهى أو على شاطئ بعيد، لكنها تظل محتفظة بالكلمات والترتيب نفسيهما. أما «شظايا الواقع» فتعكس هذه العلاقة؛ فالقارئ لا يحمل الكتاب إلى المكان فقط، بل يحمل المكان إلى داخل الكتاب.

يتحول الموقع الجغرافي هنا إلى أداة من أدوات الكتابة. الهاتف أو الحاسوب يلتقط إحداثيات القارئ، ثم يستدعي نصوصًا وصورًا وأصواتًا مرتبطة بالمجال المحيط به. وقد تتأثر القصيدة باللغة المحلية، أو بدرجة الحرارة، أو بوقت القراءة، أو بقرب القارئ من البحر أو الجبل أو الحدود.

أجد في هذا التحول سؤالًا عميقًا يتجاوز الجانب التقني: هل يقرأ الإنسان القصيدة، أم أن القصيدة تقرأ موقعه أولًا؟ إن المجموعة تطلب من القارئ معلومة عن جسده ومكانه قبل أن تمنحه النص. إنها تعرف المدينة التي يوجد فيها، وتستعين بهذه المعرفة لتعيد تشكيل تجربته الأدبية.

يتنازل القارئ، بصورة رمزية، عن جزء من جغرافيته مقابل الحصول على قصيدة شخصية. هنا تتقاطع لذة الاكتشاف مع قلق المراقبة، ويتجاور الإبداع مع سلطة البيانات، ويصير الشعر مساحة لاختبار العلاقة المركبة بين الإنسان والمنصة والخوارزمية.

الْجُغْرَافِيَا بَوْصْفِهَا مُؤَلِّفًا خَفِيًّا

تدفعنا هذه المجموعة إلى إعادة النظر في مفهوم المؤلف. فالشاعر يكتب المقاطع ويبني الاحتمالات ويحدد القواعد، والمبرمج يصمم النظام الذي يربط النص بالموقع، والخوارزمية تختار النسخة التي ستظهر، بينما يقدم القارئ موقعه بوصفه عنصرًا حاسمًا في إنتاج النتيجة.

تتوزع سلطة التأليف، إذن، بين أطراف متعددة. لم تعد القصيدة ناتجة عن ذات شعرية منفردة، بل عن تعاون بين اللغة والبرمجة والخرائط وقواعد البيانات وحركة القارئ في العالم. وتبدو الجغرافيا مؤلفًا خفيًا يوجه ظهور الكلمات من وراء الشاشة.

إذا انتقل القارئ من مدينة إلى أخرى، فقد يكتشف أن النص الذي قرأه بالأمس قد اختفى، وأن مجموعة جديدة من الشظايا حلت محله. وربما يعود إلى المكان الأول فلا يجد القصيدة ذاتها، لأن النظام يحتفظ بعناصر الزمن أو الطقس أو المسافة أو اتجاه الحركة.

تصبح القراءة حدثًا غير قابل للتكرار الكامل. وما يضيع من النصوص يكتسب قيمة شعرية إضافية، لأن القصيدة الرقمية هنا تشبه الذاكرة: تمنحنا مشهدًا، ثم تخفي جزءًا منه، وتترك في وعينا أثرًا يصعب استعادته بالصورة نفسها.

مَنْ يَسْكُنُ الْمَرْكَزَ وَمَنْ يَبْقَى خَارِجَ الْخَرِيطَةِ؟

على الرغم من جاذبية التجربة، فإنها تضعنا أمام أسئلة ثقافية وسياسية. الخرائط الرقمية ليست بريئة، وقواعد البيانات الجغرافية لا تمثل العالم بالعدالة نفسها. توجد مدن موثقة بتفاصيل دقيقة، ومدن أخرى لا تظهر إلا كأسماء صغيرة. توجد شوارع مصورة من زوايا متعددة، وقرى لا تملك حضورًا رقميًا واضحًا.

إذا اعتمدت «شظايا الواقع» على قواعد بيانات عالمية، فقد تمنح قارئ نيويورك أو لندن نصًا غنيًا بالتفاصيل، بينما تقدم لقارئ في قرية إفريقية أو عربية تجربة محدودة. بهذا الشكل يمكن أن تعيد القصيدة إنتاج التفاوت الذي صنعته التكنولوجيا، فتتحول كثافة البيانات إلى امتياز جمالي.

من يكتب الشظايا الخاصة بالمغرب؟ ومن يختار الرموز التي تمثل فاس أو مراكش أو العيون أو الحسيمة؟ هل ستُختزل المدن في صور سياحية جاهزة، أم ستظهر طبقاتها التاريخية والاجتماعية والإنسانية؟ وهل تستطيع الخوارزمية أن تميز بين المكان كما يراه السائح والمكان كما يعيشه ساكنه؟

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه هذه التجربة هو تحويل الجغرافيا إلى بطاقة بريدية. المدينة ليست معلمًا سياحيًا فقط، وليست درجة حرارة أو اسم شارع. إنها ذاكرة ونزاع ورائحة ولهجة وحكايات عائلية وخسارات شخصية وأحلام جماعية. لذلك يحتاج المشروع إلى حساسية ثقافية عالية، حتى لا يصبح الشعر مجرد زينة لغوية فوق خريطة إلكترونية.

الْقَصِيدَةُ بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالْمُرَاقَبَةِ

تعتمد المجموعة على معرفة مكان القارئ، وهذا يفتح بابًا أخلاقيًا لا يمكن تجاهله. الموقع الجغرافي من أكثر البيانات الشخصية حساسية، لأنه يكشف حركة الإنسان وعاداته ومساراته اليومية. وما يبدو طلبًا بسيطًا لتخصيص القصيدة قد يتحول، في سياق آخر، إلى وسيلة لجمع المعلومات.

تحتاج «شظايا الواقع» إلى وضوح كامل بشأن البيانات التي تستعملها. يجب أن يعرف القارئ إن كان الموقع يُستخدم لحظة القراءة فقط، أم يُخزن داخل المنصة. كما ينبغي منحه حق الرفض، مع توفير نسخة بديلة لا تتطلب الكشف عن موقعه الحقيقي.

الشعر الذي يطالب بالحرية لا ينبغي أن يتأسس على مراقبة خفية. والتجربة الرقمية الناجحة هي التي تمنح القارئ الدهشة من دون أن تسلبه السيطرة على بياناته. لا قيمة لقصيدة جميلة إذا كان ثمنها انتهاك الخصوصية.

نَحْوَ أَدَبٍ يَتَغَيَّرُ مَعَ خُطُوَاتِنَا

تمثل «شظايا الواقع» صورة متقدمة لما يمكن أن يصير إليه الأدب الرقمي. الكتاب في هذه التجربة ليس وعاءً مغلقًا، بل كائنًا برمجيًا يستجيب للمكان والحركة. والنص لا ينتظر قارئًا مجهولًا، بل يتشكل تبعًا لحضوره الجسدي داخل نقطة محددة من العالم.

قد تمهد هذه الفكرة لظهور روايات تتبدل فصولها حسب المدن، ومسرحيات رقمية تستجيب لحركة الجمهور، وقصائد لا تكتمل إلا بعد سفر القارئ بين أماكن متعددة. وربما يصبح المشي نفسه فعلًا من أفعال القراءة، فيضطر القارئ إلى عبور شارع أو زيارة ساحة أو الاقتراب من نهر للحصول على المقطع التالي.

أتصور قارئًا مغربيًا يبدأ القصيدة في فاس، فيجد شظية مرتبطة بباب بوجلود، ثم يسافر إلى الرباط فتظهر له شظية أخرى قرب أبي رقراق، قبل أن يصل إلى العيون فيتغير إيقاع النص وتتسع صوره. لن يكون قد قرأ كتابًا فحسب، بل سيكون قد رسم بجسده مسارًا شعريًا فوق الخريطة.

خَاتِمَةٌ: الْوَاقِعُ الَّذِي يَنْكَسِرُ دَاخِلَ الشَّاشَةِ

لا تقدم «شظايا الواقع» إجابة نهائية عن مستقبل القصيدة، لكنها تضعنا أمام احتمال إبداعي مثير: أن يصبح المكان شريكًا في الكتابة، وأن يحمل كل قارئ نسخة مختلفة من النص، وأن تتوزع القصيدة في العالم مثل مرآة مكسورة تعكس لكل مدينة وجهًا خاصًا.

إن قوة هذه المجموعة لا تكمن في تقنيتها وحدها، بل في الأسئلة التي تثيرها حول المؤلف والقارئ والخصوصية والهوية والحدود. إنها تعلمنا أن الواقع ليس كتلة واحدة، بل شظايا تتبدل تبعًا للموقع الذي ننظر منه. وما تفعله القصيدة الرقمية هو أنها تجمع بعض هذه الشظايا، وتضيئها للحظات، ثم تتركها تتحرك مع خطواتنا.

قد يصل قارئان إلى النص عبر الرابط نفسه، لكنهما لن يدخلا القصيدة ذاتها. لكل واحد منهما جغرافيته، ولكل جغرافيا ذاكرتها، ولكل ذاكرة لغتها الخفية. ومن هذا الاختلاف تولد قصيدة لا تسكن صفحة ثابتة، بل تسكن المسافة المتحركة بين الإنسان والمكان.

بقلم: عبده حقي


0 التعليقات: