تكشف الكتب الجديدة الصادرة لكتّاب عرب يقيمون خارج أوطانهم أن أدب المهجر لم يعد محصورًا في استعادة المكان المفقود أو البكاء على وطن تعذّر الرجوع إليه. لقد أصبح المنفى في هذه الأعمال فضاءً لإعادة تركيب الذاكرة، واختبار الهوية، ومراجعة الروايات التاريخية، وإقامة حوار سردي بين المدن واللغات والثقافات.
وتشمل هذه الحصيلة الكتب التي صدرَت فعليًا خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 28 يوليو 2026، ولم تُدرج فيها العناوين التي اكتفت دور النشر بالإعلان عنها للأشهر المقبلة. وتتنوع الإصدارات بين الرواية والسيرة الذاتية والمجموعة القصصية، كما تجمع بين كتب صدرت بالعربية وأعمال عربية وصلت حديثًا إلى القارئ العالمي بترجمات إنجليزية.
«منازل البلجيكي» لهوشنك أوسي: البيوت التي تغير أصحابها وهوياتها
صدرت في 27 يوليو 2026 عن منشورات «إبييدي» في القاهرة رواية «منازل البلجيكي» للروائي والشاعر السوري الكردي هوشنك أوسي، المقيم في بلجيكا. وتقع الرواية في 363 صفحة، موزعة على ستة وثلاثين فصلًا، وهي الرواية السابعة في مسيرة الكاتب.
تبدأ أحداث العمل في بلجيكا وتنتهي في فلسطين، وتحديدًا في القدس، بعد عبورها مدن أنتويربن وباريس وجنوة وإسطنبول وحيفا والخليل وإربد وعمّان وبيروت ودمشق وبروكسل. ولا يبدو هذا الامتداد الجغرافي مجرد استعراض للأمكنة، بل يتحول إلى بنية روائية تعكس تشظي الشخصيات وتداخل مصائرها عبر الحدود.
تتعقب الرواية حيوات أربعة أجيال من أسرتين؛ إحداهما فلسطينية مقدسية ذات أصول كردية أيوبية، والأخرى بلجيكية يهودية. تنزح الأسرة الثانية من بلجيكا إلى فلسطين هربًا من الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية، بينما تُجبر الأسرة الفلسطينية على مغادرة القدس تحت ضغط العصابات الصهيونية. ومن خلال مسارين متعاكسين للنزوح، تحاول الرواية تفكيك العلاقة المعقدة بين الضحية والجلاد، وبين الذاكرة الشخصية والرواية التاريخية الرسمية.
تكمن أهمية «منازل البلجيكي» في أنها لا تنظر إلى البيت باعتباره جدرانًا ثابتة، بل بوصفه شاهدًا على انتقال الملكية والهوية والذاكرة من شعب إلى آخر. فالمنازل في الرواية تحتفظ بأصوات الذين رحلوا عنها، حتى إن استولى عليها القادمون الجدد وكتبوا فوق أبوابها أسماء أخرى.
كما يوظف هوشنك أوسي تجربته الشخصية ككاتب يعيش في بلجيكا لفتح نافذة سردية بين أوروبا والمشرق. فالمنفى هنا ليس هامشًا خارجيًا للأحداث، وإنما زاوية تسمح للكاتب بأن يرى التاريخ الفلسطيني والأوروبي ضمن شبكة واحدة من الحروب والهجرات وتبدل الأدوار. وتؤكد السيرة المنشورة للكاتب أنه يقيم في بلجيكا ويكتب بالعربية والكردية، وهو ما يمنح عمله موقعًا واضحًا داخل أدب المهجر متعدد اللغات والثقافات.
«خاتم سليمة» لريما بالي: حلب تسافر إلى طليطلة باللغة الإنجليزية
صدر في 28 يوليو 2026 عن دار «إنترلينك»، أي «الرابط المتبادل»، في الولايات المتحدة، الإصدار الإنجليزي من رواية «خاتم سليمة» للكاتبة السورية ريما بالي، بترجمة تيموثي غريغوري.
وكانت الرواية قد صدرت أول مرة بالعربية، ووصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، قبل أن تنتقل الآن إلى القارئ الإنجليزي. وتكتسب هذه الترجمة أهمية خاصة لأنها أول رواية لريما بالي تُنقل إلى الإنجليزية، وهي كاتبة غادرت سورية سنة 2015 وتقيم حاليًا في مدريد بإسبانيا.
تتحرك أحداث الرواية بين حلب السورية وطليطلة الإسبانية، وتتشابك فيها حكايات سلمى السورية، ولوكاس المصور المنحدر من أصول إسبانية ويهودية، وشمس الدين الموسيقي الإيطالي المقيم في حلب. ويظهر الخاتم متنقلًا بين الشخصيات، محيلًا إلى خاتم النبي سليمان وما ارتبط به في المخيال الشعبي من قوى سحرية وقدرة على إخضاع الكائنات المتصارعة.
غير أن الخاتم لا يؤدي وظيفة عجائبية فقط، بل يمثل محاولة لاستعادة نظام أخلاقي وروحي داخل عالم حطمته الحرب. وتدخل الشخصيات في صراع بين الحب والواجب، وبين الذاكرة والحاضر، وبين الشرق الذي يسكنها والغرب الذي تعيش في فضائه.
تنبعث من الرواية رائحة حلب القديمة، لكنها لا تقدم المدينة بوصفها بطاقة بريدية مفعمة بالحنين. إنها مدينة جريحة ومدفونة تحت ركام الأحلام والفرص الضائعة. أما طليطلة، بما تحمله من تاريخ إسلامي ومسيحي ويهودي، فتتحول إلى مرآة أوروبية لذاكرة حلب المتعددة.
تجسد الرواية نموذجًا مهمًا للكتابة العربية في المهجر؛ فالكاتبة المقيمة في مدريد لا تقطع صلتها بحلب، بل تعيد بناء المدينة داخل لغة أخرى. وبذلك لا تصبح الترجمة مجرد نقل للكلمات، وإنما انتقالًا كاملًا للذاكرة السورية إلى فضاء ثقافي جديد.
«وجوه المنفى... دروب الوطن» لهيثم حسين: سيرة التحول البطيء في بريطانيا
أصدرت منشورات «رامينا» في 12 يوليو 2026 كتاب «وجوه المنفى... دروب الوطن» للكاتب السوري الكردي هيثم حسين، المقيم في لندن. ويقع الكتاب في 196 صفحة، وهو العمل الرابع ضمن مشروع الكاتب في السيرة الذاتية، بعد «قد لا يبقى أحد»، و«العنصري في غربته»، و«هكذا عشت الجحيم».
يتابع الكتاب رحلة هيثم حسين منذ مغادرته سورية واستقراره في بريطانيا، ويرصد الأثر الذي تركه المنفى في وعيه ولغته وهويته. ولا يعتمد الكاتب على تسجيل الأحداث الكبرى وحدها، وإنما يستعيد الأشخاص الذين التقاهم في المجتمع البريطاني؛ من معلمين وأكاديميين وكتّاب وأصدقاء وجيران وشخصيات عامة.
وتكتسب تلك الوجوه أهميتها لأنها تحولت، في تجربة الكاتب، إلى جسور بين القادم الجديد والمجتمع الذي استقبله. فالاندماج لا يحدث من خلال القوانين والوثائق وحدها، وإنما يتشكل ببطء من العلاقات اليومية، ومن الشعور بالثقة، ومن القدرة على بناء حياة جديدة من دون التخلي الكامل عن الجذور الأولى.
يفتتح الكتاب بفصل يحمل عنوان «بداية التحول البطيء»، يستعيد فيه المؤلف الأسئلة التي رافقته منذ وصوله إلى بريطانيا وحتى حصوله على الجنسية البريطانية. وهذه المسافة بين الوصول والحصول على الجنسية ليست مجرد فترة إدارية، بل رحلة نفسية وثقافية تغيرت خلالها علاقة الكاتب باللغة والمكان والوطن.
ويطرح هيثم حسين تمييزًا ضمنيًا بين الانتماء القانوني والانتماء الوجداني. فقد يحصل المهاجر على جنسية البلد الجديد، لكنه يظل يحمل داخله مدنًا وأسماء وذكريات لا تعترف بها الوثائق الرسمية. ومن هنا تظهر الكتابة باعتبارها وسيلة لمواجهة العزلة، وإعادة ترتيب الذاكرة، والتوفيق بين أكثر من هوية.
لا يقدم «وجوه المنفى... دروب الوطن» صورة سوداء مطلقة عن الغربة، كما لا يحول المجتمع البريطاني إلى فردوس مكتمل. إنه يلتقط المساحات الواقعة بين الاغتراب والاندماج، وبين الخوف الأولي والشعور التدريجي بالأمان. وقد يكون هذا التوازن من أبرز عناصر الكتاب، لأنه ينقل تجربة المنفى من مستوى الشعارات العامة إلى التفاصيل الإنسانية الصغيرة.
«أرض أبدية» لإيمي عبد النور: فلسطين بين صوتين يفصل بينهما الموت
صدرت في 9 يوليو 2026 رواية «أرض أبدية» للكاتبة البريطانية اللبنانية إيمي عبد النور عن دار «هاتشينسون هاينمان» البريطانية. والعنوان العربي الوارد هنا ترجمة وصفية للعنوان الإنجليزي، إذ لم تصدر بعد ترجمة عربية رسمية للرواية.
تقع الرواية في أربعمائة صفحة، وهي العمل الروائي الأول للكاتبة. وتتناوب أحداثها بين دينا، وهي مراهقة يهودية قادمة من لندن إلى مستوطنة إسرائيلية سنة 2000، وصفا، وهي روح فتاة فلسطينية في الرابعة عشرة قُتلت خلال حرب يونيو 1967.
تظل صفا عالقة بين عالمي الحياة والموت، لأنها لا تعرف مصير شقيقتها الصغرى نور. وبعد ثلاثة وثلاثين عامًا، تكتشف أن دينا قد تكون الشخص الوحيد القادر على مساعدتها في العثور على أختها، خصوصًا أن البيت الذي تسكنه الأسرة الجديدة يرتبط بذاكرة صفا وطفولتها.
تبني الرواية مواجهتها الأخلاقية من خلال مراهقتين لا تحمل أي منهما مسؤولية القرارات التاريخية التي سبقت ولادتها، لكنهما تعيشان نتائجها. فدينا تواجه ضغوط المجتمع الجديد والاستعداد للخدمة العسكرية، بينما تحاول صفا استعادة أثر عائلتها وبيتها المسلوب.
وتبدو الكاتبة حريصة على جعل الذاكرة الفلسطينية صوتًا حيًا داخل البيت الذي تغير سكانه. فالمكان لا ينسى أصحابه السابقين، والغياب لا يعني أن الذين طُردوا أو قُتلوا خرجوا نهائيًا من الحكاية. ومن خلال المزج بين الواقعي والروحي، تقدم الرواية الاحتلال باعتباره نظامًا لا يستولي على الأرض وحدها، بل يحاول التحكم في الذاكرة وفي القصص التي تُروى عن المكان.
وتعرّف دار النشر إيمي عبد النور بأنها كاتبة عربية بريطانية ومدرّسة للغة الإنجليزية، درست اللغتين الإنجليزية والعربية في جامعة كامبريدج، وعاشت وعملت في الضفة الغربية ومخيمات اللاجئين في لبنان خلال شبابها. وقد أسهمت هذه التجارب في تشكيل روايتها الأولى.
«كتاب دمشق: مدينة في القصة القصيرة» بإشراف زاهر عمرين
صدر في 16 يوليو 2026 عن دار «كوما برس»، أي «دار الفاصلة للنشر»، كتاب جماعي بعنوان «كتاب دمشق: مدينة في القصة القصيرة»، أشرف على تحريره الكاتب والباحث السوري زاهر عمرين، المقيم في لندن.
يضم الكتاب قصصًا لعدد من الكتّاب السوريين، من بينهم عدي الزعبي ورشا عباس وعمر الجباعي وخالد خليفة وعلاء رشيدي وعبود سعيد وروعة سنبل وحسيب الزيني وسلوى زكزك وفارس الذهبي، إلى جانب زاهر عمرين نفسه. وصدر الكتاب باللغة الإنجليزية ضمن سلسلة تسعى إلى تقديم المدن من خلال القصص القصيرة.
لا يقدم الكتاب دمشق باعتبارها مدينة تاريخية جامدة أو مجموعة من الآثار والأسواق القديمة. إنها مدينة يعيش سكانها تحت آثار الحرب والقمع والفقر والخوف، لكنهم يحتفظون بالقدرة على السخرية والابتكار والبحث عن الأمل.
تتناول إحدى القصص ثلاثة فتيان يخططون للحصول على المال ليلة العيد، قبل أن يكتشفوا أن المال الذي عثروا عليه ملعون. وتروي قصة أخرى حكاية موسيقي يفقد، بعد إصابته في قصف، القدرة على التمييز بين مؤلفاته الحقيقية وتلك التي قد يكون تخيلها. وفي نص آخر، يقرر موظف حكومي قتل مديره بعد حملة تطهير أمنية طالت مؤسسته.
تكشف هذه الحكايات أن المدينة لا تُقرأ عبر أبنيتها وحدها، بل من خلال مخاوف سكانها وأحلامهم وأساليب مقاومتهم اليومية. ويجعل تعدد الأصوات من الكتاب خريطة أدبية لدمشق خلال العقود الأخيرة، حيث تتجاور الكوميديا السوداء مع الذاكرة والحرب والخيال.
وتنبع صلة الكتاب بأدب المهجر من الدور الذي يؤديه محرره زاهر عمرين، وهو باحث وكاتب سوري عمل في مبادرات ثقافية مستقلة في سورية وأوروبا، ودرس في جامعة ساسكس، وتابع أبحاثه في كلية غولدسميث في لندن. ومن موقعه خارج سورية، يجمع أصواتًا من داخل البلاد وخارجها وينقلها إلى جمهور عالمي جديد.
ملامح مشتركة في حصيلة كتب المهجر
تكشف هذه الإصدارات عن ثلاثة اتجاهات واضحة في كتابة المهجر العربي المعاصرة. يتمثل الاتجاه الأول في انتقال المدينة العربية إلى فضاء عالمي؛ فحلب تحضر في مدريد وطليطلة، ودمشق تُروى من لندن، والقدس تتقاطع مع بلجيكا وبريطانيا.
أما الاتجاه الثاني فيتمثل في تحرر أدب المنفى من الحنين البسيط. فالوطن في هذه الكتب ليس صورة مثالية معلقة في الذاكرة، بل مكانًا تتصارع داخله الروايات والسلطات والهويات. وينظر الكاتب المهاجر إلى بلده من مسافة تسمح له بالمقارنة والنقد وإعادة التأويل.
ويتصل الاتجاه الثالث بتزايد دور الترجمة والنشر العابر للحدود. فرواية ريما بالي انتقلت من العربية إلى الإنجليزية، وكتاب دمشق جمع قصصًا سورية داخل إصدار إنجليزي، فيما كتبت إيمي عبد النور روايتها عن فلسطين بلغة الجمهور البريطاني. وهكذا يتحول الكاتب العربي في المهجر إلى وسيط ثقافي لا ينقل الحكاية فقط، بل يعيد تشكيلها لتدخل في حوار مع قارئ ينتمي إلى تاريخ ولغة مختلفين.
إن أهم ما توحي به هذه الحصيلة هو أن المنفى لم يعد نهاية العلاقة بالوطن، بل أصبح طريقة أخرى للعودة إليه. يعود الكتّاب إلى بيوتهم ومدنهم عبر الروايات والسير والترجمات، ويمنحون الأماكن التي غادروها حياة جديدة داخل المكتبات العالمية. فالحدود تستطيع أن تبعد الجسد عن مدينته، لكنها تعجز عن منع المدينة من السفر داخل اللغة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق