الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، يوليو 29، 2026

تونس في دائرة النفوذ الجزائري: شراكة الجوار أم تبعية مفروضة؟ : عبده حقي

أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن تونس وطبيعة العلاقات الجزائرية التونسية موجة واسعة من الجدل والاستياء، خصوصًا بسبب النبرة الأبوية التي حملتها، وما أوحت به من أن تونس أصبحت دولة تدور داخل الفلك الجزائري، ولا تملك هامشًا واسعًا للاستقلال في قراراتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

وأنا أتابع ردود الفعل التونسية الغاضبة، أجد أن من الضروري التمييز بين أسلوب الخطاب الجزائري، الذي يمكن انتقاده ورفض ما يتضمنه من تعالٍ، وبين واقع العلاقات القائمة على الأرض. فالمشكلة، في نظري، لا تتعلق بتصريح عابر صدر عن الرئيس الجزائري، بل ترتبط باختلال عميق في موازين القوة بين البلدين، جعل تونس شديدة الاعتماد على الجزائر في قطاعات حيوية تمس حياة مواطنيها واستقرار مؤسساتها.

أبدأ من قطاع الطاقة، لأنه يمثل أكثر مظاهر هذا الاعتماد وضوحًا وخطورة. فمعظم الكهرباء المنتجة في تونس مصدرها محطات حرارية تعمل بالغاز الطبيعي، بينما يغطي الغاز الجزائري نسبة كبيرة من الاستهلاك التونسي.

وبحسب الأرقام الواردة في المادة الأصلية، فإن الغاز الجزائري يمثل ما بين خمسة وستين وسبعين في المئة من الغاز الذي تحتاج إليه تونس لإنتاج الكهرباء، في وقت تعتمد فيه البلاد على الغاز الطبيعي لإنتاج نحو خمسة وتسعين في المئة من طاقتها الكهربائية.

هذا يعني، ببساطة، أن قرارًا جزائريًا بتقليص إمدادات الغاز أو وقفها قد يضع تونس أمام أزمة كهرباء حقيقية. وأنا لا أطرح هذا الاحتمال باعتباره مجرد صورة بلاغية، بل باعتباره أحد عناصر الضعف الاستراتيجي التي ينبغي لأي دولة ذات سيادة أن تتعامل معها بجدية.

فالدولة التي ترتبط إنارتها ومصانعها ومستشفياتها ومرافقها الأساسية بقرار دولة أخرى، تجد نفسها مضطرة إلى مراعاة مواقف هذه الدولة في كثير من الملفات، حتى عندما تتعارض تلك المواقف مع مصالحها أو مع استقلالية قرارها الوطني.

لا تقتصر أهمية الغاز الجزائري بالنسبة إلى تونس على الاستهلاك الداخلي وإنتاج الكهرباء، بل تمتد إلى العائدات المالية التي تحصل عليها الدولة التونسية مقابل مرور خط الغاز العابر للمتوسط عبر أراضيها في اتجاه إيطاليا.

يمر هذا الخط عبر تونس منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتحصل الدولة التونسية مقابله على رسوم عبور تتغير بحسب أسعار الغاز والكميات المنقولة. وقد بلغت هذه الإيرادات، في إحدى السنوات، نحو ثلاثمئة وسبعين مليون يورو، وفق المعطيات الواردة في النص.

وتقتطع تونس نسبة تُقدر بنحو 5.25 في المئة من الغاز الذي يعبر أراضيها، وهو مورد مباشر يدخل إلى ميزانية الدولة ويوفر لها جزءًا مهمًا من مداخيلها.

لكنني أرى أن هذا الامتياز يحمل في داخله مصدرًا آخر للهشاشة. فإذا قررت الجزائر يومًا إنشاء خط مباشر نحو إيطاليا يتجاوز الأراضي التونسية، أو أعادت إحياء مشروع مثل خط «غالسي» المتجه نحو سردينيا، فقد تخسر تونس ما بين ثلاثمئة وأربعمئة مليون يورو سنويًا.

لقد سبق للجزائر أن أوقفت خط الغاز المغاربي الأوروبي الذي كان يمر عبر المغرب، ولذلك لا يمكن التعامل مع احتمال تجاوز الأراضي التونسية باعتباره سيناريو مستحيلًا. وفي حال وقوعه، ستكون تونس أمام خسارة مالية كبيرة تضاف إلى أزماتها الاقتصادية المتراكمة.

أما القطاع الثاني الذي يكشف حجم الاعتماد التونسي على الجزائر فهو السياحة. فقد استقبلت تونس، بحسب الأرقام الواردة في المادة، أكثر من أربعة ملايين سائح جزائري خلال سنة 2025، بعدما بلغ عددهم نحو ثلاثة ملايين ونصف مليون سائح في سنة 2024.

وتشير التقديرات المذكورة إلى أن السياح الجزائريين ينفقون أكثر من ملياري يورو خلال فصل الصيف وحده، وقد ترتفع هذه النفقات إلى مليارين ونصف مليار يورو عند احتساب رحلات نهاية السنة والمناسبات الأخرى.

ويمثل الجزائريون، وفق هذه التقديرات، ما بين خمسة وثلاثين وأربعين في المئة من مجموع السياح الذين يزورون تونس. ولذلك أرى أن أي إغلاق للحدود، أو أي توتر سياسي يدفع الجزائريين إلى مقاطعة الوجهة التونسية، قد يوجه ضربة قاسية إلى قطاع السياحة وإلى عشرات الآلاف من الوظائف المرتبطة به.

هنا أيضًا تظهر العلاقة غير المتوازنة. فالجزائر لا تملك الغاز فقط، بل تمتلك كذلك كتلة سياحية ضخمة تستطيع من خلالها التأثير في عائدات تونس من العملة الأجنبية وفي نشاط فنادقها ومطاعمها وأسواقها ووسائل نقلها.

ولا يعني ذلك أن السياح الجزائريين يزورون تونس استجابة لأوامر سياسية، لكن حجمهم العددي يجعلهم، في لحظة التوتر، جزءًا من أدوات الضغط غير المباشرة التي يمكن أن تتأثر بقرارات السلطات الجزائرية.

على المستوى المالي، قدمت الجزائر إلى تونس خلال السنوات الماضية قروضًا ومساعدات بمئات الملايين من الدولارات.

ففي سنة 2021، حصلت تونس على قرض بقيمة ثلاثمئة مليون دولار، ثم تلقت في نهاية سنة 2022 مساعدة مالية بقيمة مئتي مليون دولار. كما سبق للجزائر، خلال عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، أن قدمت إلى تونس مساعدة بقيمة مئتين وخمسين مليون دولار سنة 2014.

وتتنوع هذه التحويلات بين القروض والودائع والهبات والمساعدات المباشرة. وبغض النظر عن الصفة المحاسبية لكل مبلغ، فإن النتيجة السياسية واحدة: تونس، التي تعاني أزمة مالية خانقة وصعوبة في الوصول إلى التمويل الدولي، أصبحت في حاجة متزايدة إلى الدعم الجزائري.

وأنا أعتقد أن المساعدات المالية لا تكون محايدة تمامًا في العلاقات الدولية، خصوصًا عندما تتجه باستمرار من طرف قوي إلى طرف يعاني ضعفًا اقتصاديًا. فالدولة المقترضة قد لا تتلقى تعليمات مباشرة، لكنها تجد نفسها محكومة بمنطق الامتنان والحذر وعدم إغضاب الجهة التي تمدها بالسيولة والطاقة والدعم.

يمكنني أن أفهم، انطلاقًا من هذا الواقع الاقتصادي والمالي، سبب التقارب الكبير الذي ظهر بين الرئيس التونسي قيس سعيّد والقيادة الجزائرية.

فتونس تحتاج إلى الغاز الجزائري، وإلى حركة السياح الجزائريين، وإلى رسوم خط الأنابيب، كما تحتاج إلى القروض والمساعدات في ظل أزمتها المالية. ولذلك يصبح من الصعب عليها الدخول في مواجهة سياسية مع الجزائر أو اتخاذ مواقف إقليمية تعارض توجهاتها.

إن الاصطفاف التونسي إلى جانب الجزائر لا يمكن تفسيره فقط بالتقارب السياسي أو بالتنسيق بين نظامين تجمعهما رؤية متشابهة لبعض القضايا، بل ينبغي قراءته أيضًا في ضوء الحاجة الاقتصادية التونسية.

فإذا فقدت تونس الغاز الجزائري، قد تضطر إلى شرائه من أسواق أخرى بأسعار مرتفعة لا تسمح بها أوضاعها المالية. وإذا تقلص عدد السياح الجزائريين، ستتراجع مداخيلها من العملة الأجنبية. وإذا توقفت المساعدات المالية، ستزداد صعوبة تغطية حاجاتها الداخلية.

بهذا المعنى، لم تعد العلاقات بين البلدين قائمة على التكامل المتوازن وحده، بل أصبحت محكومة بحاجة تونس إلى الجزائر أكثر من حاجة الجزائر إلى تونس.

ولا يقل الجانب الأمني أهمية عن الاقتصاد. فالحدود البرية بين الجزائر وتونس تمتد لنحو تسعمئة وخمسة وستين كيلومترًا، وتشمل مناطق جبلية وصحراوية واجهت خلال السنوات الماضية تهديدات إرهابية وعمليات تهريب وجريمة منظمة.

وقد وقّعت الدولتان سلسلة من اتفاقيات التعاون الأمني والعسكري منذ بداية الألفية. كما توسع هذا التعاون بعد الهجمات الإرهابية التي شهدتها تونس، وخصوصًا في منطقة جبل الشعانبي، وظهور كتيبة عقبة بن نافع المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

كانت القوات المسلحة التونسية تعاني آنذاك محدودية في التجهيز والخبرة الميدانية، فاستفادت من المساعدة الجزائرية في تدريب وحدات مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة الحدود.

وفي العاشر من يوليو 2014، قدمت الجزائر إلى تونس مساعدات عسكرية ومعدات، وساهمت في تدريب وحدات أمنية تونسية، كما أقامت بنية تحتية حدودية شملت أبراج المراقبة والخنادق والمواقع المتقدمة والمعدات الإلكترونية.

وتعزز هذا المسار باتفاق عسكري جديد وُقع في الجزائر يوم السابع من أكتوبر 2025، وشمل جوانب مختلفة من التعاون العسكري والأمني وحماية سلامة الأراضي التونسية.

قد يقول بعض التونسيين إن بلادهم تملك جيشًا وأجهزة أمنية وطنية ولا تحتاج إلى الحماية الجزائرية، وهذا حق مشروع في الدفاع عن السيادة الوطنية. لكنني أرى أن الأرقام تكشف تفاوتًا كبيرًا في القدرات؛ فميزانية الجيش الجزائري تتجاوز عشرين مليار دولار، بينما تقدر ميزانية الجيش التونسي بنحو 1.3 مليار دولار.

هذا الفارق يجعل التعاون الأمني مفيدًا لتونس، لكنه يكرس، في الوقت نفسه، صورة الجزائر بوصفها الطرف الأقوى الذي يوفر السلاح والمعلومات والتدريب والمساندة.

لا أرى مشكلة في أن تتعاون تونس والجزائر اقتصاديًا وأمنيًا وعسكريًا، فهما دولتان جارتان تجمعهما حدود طويلة وتاريخ مشترك ومصالح متداخلة. كما أن مواجهة الإرهاب والتهريب والجريمة العابرة للحدود تستدعي تنسيقًا حقيقيًا بينهما.

المشكلة تبدأ عندما يتحول التعاون إلى وصاية، وتتحول المساعدات إلى وسيلة لتقييد القرار الوطني، ويشعر الطرف الأقوى بأنه يملك حق مخاطبة الطرف الأضعف بلهجة أبوية أو فوقية.

يمكنني أن أنتقد تصريحات عبد المجيد تبون بسبب قسوتها وما حملته من إيحاءات تمس كرامة التونسيين، لكنني لا أستطيع، في الوقت نفسه، تجاهل الحقيقة التي تقف خلفها. فتونس بالفعل شديدة الاعتماد على الجزائر في الطاقة والسياحة والتمويل والأمن.

إن الغضب من تصريحات الرئيس الجزائري لا يكفي لتغيير هذا الواقع. والسيادة لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل تُبنى بتنويع مصادر الطاقة، وتقوية الاقتصاد، وإصلاح القطاع السياحي، وتطوير القدرات العسكرية والأمنية، وإقامة علاقات دولية متعددة تمنع الارتهان لطرف واحد.

أعتقد أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه التونسيون ليس ما إذا كانت تصريحات تبون مهينة فحسب، بل لماذا وصلت بلادهم إلى مرحلة أصبح فيها رئيس دولة مجاورة قادرًا على الحديث عنها بهذه النبرة.

لقد أصبحت تونس في حاجة إلى مراجعة خياراتها الاقتصادية والسياسية، وإلى إعادة بناء مؤسساتها على أسس تسمح لها بتقوية استقلالها. وهي تحتاج كذلك إلى حياة سياسية طبيعية وانتخابات ومؤسسات قادرة على مراقبة الاتفاقيات الخارجية وضمان عدم تحولها إلى أدوات للهيمنة.

ليس مطلوبًا من تونس أن تعادي الجزائر، ولا أن تتخلى عن شراكتها معها، بل المطلوب أن تعيد بناء هذه الشراكة على أساس الندية والاحترام المتبادل.

فالجزائر تقدم اليوم إلى تونس أكثر مما تحصل عليه منها، سواء في مجال الغاز أو التمويل أو السياحة أو الأمن. وهذا الاختلال يمنحها قدرة واضحة على الضغط والتأثير.

وأنا أرى أن مستقبل العلاقات بين البلدين يجب ألا يقوم على صورة «الشقيق الأكبر» و«الشقيق الأصغر»، لأن الدول لا تعيش بمنطق القرابة العائلية، بل بمنطق السيادة والمصالح المتبادلة.

تونس تحتاج إلى الجزائر، وهذه حقيقة يصعب إنكارها. لكن مسؤولية التونسيين، ونخبهم السياسية والاقتصادية، هي العمل من أجل ألا تتحول هذه الحاجة إلى تبعية دائمة، وألا يصبح الدعم الجزائري قيدًا يحد من استقلال قرار بلادهم.

إن العلاقة السليمة بين دولتين جارتين لا تتحقق بأن يحمي العملاق جاره الأصغر، بل بأن يقف البلدان جنبًا إلى جنب، ويتعاونان من موقعين متكافئين، ضمن شراكة رابحة تحترم سيادة تونس ومصالح الجزائر في آن واحد.



0 التعليقات: