جاء تعيين زين الدين زيدان مدربًا جديدًا للمنتخب الفرنسي ليعلن بداية مرحلة رياضية طال انتظارها، لكنه سرعان ما اكتسب بُعدًا سياسيًا وحقوقيًا لم يكن مدرجًا في جدول أحلام الجماهير الفرنسية. ففي أول مؤتمر صحفي له بعد توليه قيادة «الديوك»، وجد زيدان نفسه أمام سؤال لا يتعلق بخطة اللعب، ولا بمستقبل كيليان مبابي، ولا بإعادة بناء المنتخب الفرنسي، بل بمصير الصحفي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز، المعتقل والمحكوم عليه في الجزائر.
لم يلق زيدان خطابًا سياسيًا، ولم يهاجم الجزائر، ولم يشكك في شعبها أو تاريخها، ولم يحوّل منصة الاتحاد الفرنسي لكرة القدم إلى محكمة دولية. كل ما فعله أنه تحدث بصفته أبًا وإنسانًا، معبرًا عن أمله في عودة الصحفي إلى أسرته. وقال، في معنى واضح، إنه يدعم غليز وعائلته، وإنه يريد فقط أن يعود إلى منزله ويلتقي والديه. جاءت عباراته هادئة ومحسوبة، بعيدة عن الاستفزاز، لكنها كانت كافية لإشعال جدل في بعض الأوساط الإعلامية والحسابات الرياضية الجزائرية.
تكتسب كلمات زيدان أهميتها من المكان الذي قيلت فيه ومن هوية صاحبها. فقد عُيّن رسميًا في 28 يوليو 2026 مدربًا للمنتخب الفرنسي خلفًا لديدييه ديشان، بعد سنوات من الانتظار، حاملًا معه إرثًا رياضيًا عالميًا وتجربة تدريبية استثنائية توّجها بثلاثة ألقاب متتالية في دوري أبطال أوروبا مع ريال مدريد. وهكذا لم يعد زيدان مجرد نجم سابق، بل أصبح أحد الوجوه الرسمية الكبرى للرياضة الفرنسية وصوتًا مسموعًا في العالم.
أما كريستوف غليز، فهو صحفي رياضي فرنسي كان ينجز تحقيقًا صحفيًا عن نادي شبيبة القبائل عندما أوقف في تيزي وزو في مايو 2024. وقد أدانته المحاكم الجزائرية بالسجن سبع سنوات بتهم من بينها «الإشادة بالإرهاب»، على خلفية اتصالات أجراها في سياق عمله الصحفي مع أشخاص تربطهم صلات بالحركة من أجل تقرير مصير منطقة القبائل، المصنفة تنظيمًا إرهابيًا لدى السلطات الجزائرية. وترى منظمة «مراسلون بلا حدود» أن القضية تجرّم عملًا صحفيًا عاديًا، بينما أعربت الخارجية الفرنسية عن أسفها العميق لتثبيت الحكم في مرحلة الاستئناف.
من التضامن الإنساني إلى محاكمة النيات
كان المنتظر أن تُقرأ تصريحات زيدان في إطارها الطبيعي: نجم عالمي يعبّر عن تعاطفه مع صحفي رياضي يقضي عقوبة قاسية بعيدًا عن أسرته. غير أن بعض الأصوات الجزائرية تعاملت مع عباراته بوصفها موقفًا سياسيًا معاديًا أو محاولة للتقرب من الاتحاد الفرنسي لكرة القدم.
وقد نقل موقع «أفريك فوت» انتقادات صدرت عن حساب رياضي جزائري يدعى «سكوادرا خضرا»، اتهم زيدان بما يشبه «الخضوع» من أجل كسب رضا مسؤولي الاتحاد الفرنسي، ورأى أنه كان عليه الامتناع عن الإجابة والاكتفاء بالقول إنه موجود للحديث عن كرة القدم.
هذا المنطق يكشف مشكلة أعمق من مجرد خلاف حول تصريح. إنه يفترض أن الشخصية الرياضية ذات الأصول الجزائرية مطالبة بالصمت كلما تعارض الضمير الإنساني مع السردية الرسمية للدولة الجزائرية. ويضع زيدان أمام امتحان ولاء غير معلن: إما أن يصمت لأن والديه من أصول جزائرية، وإما أن يُتهم بالتنكر لجذوره والخضوع لفرنسا.
لكن زيدان لم يكن يتحدث باسم الجزائر، ولم يقدم نفسه ممثلًا للجالية الجزائرية أو مدافعًا عن سياسة باريس. لقد تحدث بوصفه مدرب المنتخب الفرنسي ومواطنًا فرنسيًا وأبًا يعرف معنى انتظار العائلة لعودة أحد أفرادها. اختزال هذا الموقف في صراع الهوية يشكل ظلمًا للرجل وإساءة إلى ملايين الأشخاص مزدوجي الثقافة والانتماء.
هل أمرت المخابرات الجزائرية فعلًا بمهاجمة زيدان؟
يجري تداول اتهامات على بعض المنصات والمواقع الاجتماعية تقول إن المخابرات الجزائرية أمرت صحفيين وحسابات رقمية بشن حملة ضد زيدان. غير أن هذا الادعاء الخطير يحتاج إلى وثائق أو شهادات أو تحقيقات صحفية موثوقة، ولم تظهر، حتى لحظة كتابة هذا المقال، أدلة علنية مستقلة تثبت صدور تعليمات مباشرة من جهاز أمني جزائري لمهاجمة المدرب الفرنسي.
بل إن صورة التغطية الجزائرية لم تكن موحدة. فموقع «الجزائر 360»، على سبيل المثال، نقل تصريحات زيدان بنبرة إخبارية هادئة، ووصفها بأنها موقف إنساني نابع من شعوره كأب، من دون مهاجمته أو اتهامه بالخيانة. وهذا التفاوت بين وسيلة إعلامية وأخرى يجعل الجزم بوجود أمر مركزي صادر عن المخابرات استنتاجًا غير مثبت، مهما بدا التناغم بين بعض الحسابات مثيرًا للريبة.
ومع ذلك، فإن غياب الدليل المباشر على تدخل المخابرات لا ينفي وجود بيئة إعلامية وسياسية تدفع بعض المنابر إلى الدفاع التلقائي عن الرواية الرسمية. ففي الأنظمة التي تضيق فيها مساحة النقاش الحر، لا تحتاج كل حملة إلى أمر مكتوب أو مكالمة هاتفية. يكفي أن يعرف الصحفي أو المعلق حدود الخطاب المقبول، وأن يدرك أن مهاجمة منتقدي السلطة أكثر أمانًا من مساءلة السلطة نفسها.
من هنا يمكن الحديث عن «رقابة استباقية» أو «امتثال دعائي»، بدل تقديم اتهام أمني غير موثق كحقيقة نهائية. فبعض الإعلاميين والحسابات قد يهاجمون زيدان طوعًا لأنهم تشبعوا بمنطق يعتبر كل تضامن مع سجين أو صحفي إهانة للسيادة الوطنية.
زيدان ليس ملكًا سياسيًا لأحد
من أكثر المفارقات وضوحًا أن بعض الخطابات تستحضر أصول زيدان الجزائرية كلما حقق انتصارًا، ثم تتعامل معه بوصفه فرنسيًا متآمرًا بمجرد أن يتخذ موقفًا لا يرضي السلطة. يصبح «ابن الجزائر» عند الفوز بكأس العالم أو دوري الأبطال، ويتحول إلى «خاضع لفرنسا» عندما يطالب بعودة صحفي إلى عائلته.
هذا الاستخدام الانتقائي للأصول يحول الهوية إلى أداة دعائية. زيدان فرنسي من أصول جزائرية، وقد عبّر مرارًا عن احترامه لجذوره، لكن جذوره لا تعني أن يكون ملزمًا بتبرير جميع قرارات الدولة الجزائرية. الانتماء الثقافي ليس عقد طاعة سياسية، والوفاء للأسرة لا يساوي الصمت أمام المعاناة الإنسانية.
بل إن مكانة زيدان تمنحه مسؤولية أخلاقية أكبر. فنجوم كرة القدم لم يعودوا مجرد لاعبين ومدربين؛ إنهم يمتلكون جمهورًا عالميًا وقدرة على جذب الانتباه إلى قضايا قد تظل حبيسة الملفات الدبلوماسية. وعندما يستخدم أحدهم شهرته للدفاع عن حق إنسان في العودة إلى أسرته، فإنه لا يسيء إلى الرياضة، بل يمنحها معناها الأرقى.
كرة القدم بوصفها مساحة للحرية
قضية غليز نفسها نشأت من كرة القدم. فالصحفي لم يدخل الجزائر لتنظيم نشاط سياسي، بل لإعداد تقرير عن شبيبة القبائل، أحد أعرق الأندية الجزائرية. وهكذا تحولت رحلة صحفية رياضية إلى قضية قضائية ودبلوماسية، ثم عادت القضية إلى قلب كرة القدم عبر تصريحات المدرب الجديد لفرنسا.
تكشف هذه الدائرة أن الرياضة لا تستطيع دائمًا الانفصال عن السياسة. الملاعب تحمل قضايا الهوية، والصحافة الرياضية تقترب من ملفات المجتمع والذاكرة والسلطة، والنجوم يجدون أنفسهم أمام أسئلة أخلاقية لا يمكن الرد عليها بالخطط التكتيكية وحدها.
كان بإمكان زيدان أن يختبئ وراء العبارة التقليدية: «أنا هنا للحديث عن كرة القدم». لكنه اختار جملة إنسانية بسيطة. وهذا الاختيار لا يجعله ناشطًا سياسيًا، بل يؤكد أنه لم يفقد حسه الإنساني بعد دخوله واحدًا من أكبر المناصب الرياضية في العالم.
الهجوم الذي يخدم زيدان ولا يضعفه
كلما هاجمت بعض الحسابات زيدان بسبب تضامنه، ازدادت قضيته قوة وانتشارًا. فالحملة التي كان يراد منها تخويفه أو التشكيك في دوافعه جعلت اسم كريستوف غليز يصل إلى جمهور أوسع، وربطت قضية الصحفي مباشرة بصورة أحد أشهر رموز كرة القدم في التاريخ.
كما أن مهاجمة زيدان قد تنتج أثرًا معاكسًا داخل فرنسا. فهو مدرب المنتخب الوطني، وبطل مونديال 1998، وشخصية تحظى بتأييد جماهيري واسع. وتحويله إلى هدف بسبب موقف إنساني لن يضعفه، بل قد يعزز التضامن الفرنسي والدولي مع غليز ويزيد الضغط الأخلاقي على السلطات الجزائرية.
السياسة الحكيمة كانت تقتضي استقبال تصريح زيدان بهدوء، والنظر إليه بوصفه نداءً عائليًا لا تهديدًا للدولة. فالدول القوية لا تخاف من كلمة تعاطف، ولا تعتبر طلب الرحمة عدوانًا على السيادة، ولا تحوّل كل انتقاد إلى مؤامرة خارجية.
انتصار الضمير على تعليمات الصمت
لقد دخل زين الدين زيدان منصبه الجديد من باب كرة القدم، لكنه دشن عهده برسالة تتجاوز المستطيل الأخضر: النجاح الرياضي لا يفرض التخلي عن الضمير. يستطيع المدرب أن يتحدث عن الضغط العالي وبناء اللعب، وأن يقول في الوقت نفسه إن صحفيًا مسجونًا يستحق العودة إلى أسرته.
أما الذين هاجموه، فقد أظهروا أن مشكلتهم ليست مع فرنسا ولا مع الاتحاد الفرنسي، بل مع حرية الفرد في التعبير خارج القاموس الرسمي. أرادوا من زيدان أن يحمل أصوله الجزائرية كقيد على صوته، بينما اختار هو أن يحملها في ذاكرته من دون أن يتنازل عن إنسانيته.
لا توجد حتى الآن أدلة موثوقة تسمح بالجزم بأن المخابرات الجزائرية أصدرت أوامر مباشرة لمهاجمة زيدان. لكن المؤكد أن بعض الأصوات سارعت إلى محاكمته سياسيًا بدل مناقشة جوهر كلامه. والمؤكد أيضًا أن جملته الهادئة كانت أقوى من ضجيج الاتهامات: صحفي بعيد عن أسرته، وأب يتمنى له العودة إلى البيت.
في النهاية، لم يطعن زيدان الجزائر، بل انتصر للإنسان. ومن يرى في الرحمة خيانة، وفي التضامن مؤامرة، لا يدافع عن وطن بقدر ما يكشف هشاشة خطاب يخشى حتى من جملة إنسانية قيلت في مؤتمر صحفي لكرة القدم.








0 التعليقات:
إرسال تعليق